تحليل سياسي لسياسات تدبيرالماء والمخاطر… آسفي مثال كاشف

لم تعد صور الفيضانات في المغرب تقرأ كحوادث طقس عابرة، بل كأحداث سياسية بامتياز. إنها لحظات تتعرى فيها حدود الدولة، وتظهر فجوة التنفيذ بين الاستراتيجيات المعلنة وحياة الناس في الشارع. ولم تكن فاجعة آسفي في 14 دجنبر 2025- حين تجاوزت التساقطات 60 ملم وسط المدينة وخلفت سيولا جارفة وحصيلة وفيات لا تقل عن 37 وفق تغطيات دولية – فقط مأساة إنسانية، بل محطة اختبار قاسية لمصداقية السياسات العمومية ولمنطق توزيع الحماية داخل المدن المغربية. في بلد غير مصنف ضمن الدول المتقدمة، حيث تقل الإمكانات المالية والمؤسسية، تصبح الكارثة أكثر من حادثة. فهي تتحول إلى “مؤشر” على فعالية سياسات الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها، وعلى توازن الأولويات بين الاستثمارات الكبيرة والوقاية اليومية لمواطنيها.
في مدينة ساحلية أطلسية مثل آسفي، لا تحتاج السياسة إلى انتخابات كي تختبر؛ يكفي هطول كميات هائلة من المطر. حين اجتاحت السيول المدينة القديمة والأحياء المجاورة المنبسطة، لم يعد السؤال: “لماذا أمطرت؟” بل: “لماذا لم تكن المدينة مستعدة لاستقبال هذه الكمية الكبيرة من المياه؟”. هنا تبدأ السياسة: لأن الاستعداد ليس مسألة طبيعية، بل قرار عمومي تراكمي، يبدأ من وثائق التعمير وينتهي عند تنظيف البالوعات وصيانة القنوات ومجاري الأودية...
إن ما يجعل هذه الفاجعة واقعة سياسية بامتياز، هو أنها تعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة. هذه الأخيرة هي التي تقدم الخدمات في ظروف عادية (الماء، الطرق، التطهير السائل…) تصبح مطالبة بحماية الحياة أيضا في الظروف القصوى. وحين يحدث الفشل، يتحول إلى أزمة ثقة لا إلى “سوء حظ”. ولهذا تظهر بعد كل فيضان موجة غضب تتجاوز الحدث لتطال “منطق التدبير” نفسه، لأن المواطن يرى أن الكارثة كان يمكن تقليصها او ينكن الحد من خسائرها لو كانت الوقاية جزءا من التدبير المحلي لا ملحقا هامشيا.
وتظهر الفاجعة أن هناك مفارقة؛ وهذه الأخيرة لا تتمثل في ندرة الماء (اضطرابات في التزويد) أو وفرته (غزارة المطار والفيضانات) وحدها، بل في غياب التكامل بين سياسات “تأمين الموارد” وسياسات “الحماية من المخاطر”. فعندما تكون قنوات تطهير السائل، ومصبات مياه الأمطار، وتهيئة مجاري الأودية مبنية على افتراضات مناخية قديمة، تصبح المدينة أقل قدرة على امتصاص الصدمات المطرية القصيرة والعنيفة، حتى لو توفرت برامج استثمارية كبرى في قطاع الماء. كما أن توزيع الحماية داخل المدينة غالباً ما يطرح سؤال العدالة المجالية في الاستثمار الوقائي، حيث تتضرر الأحياء الهشة والمنبسطة أكثر، بينما تصمد المرافق المحمية ببنى تصريف ووقاية أفضل.
والمفارقة هاته، والتي تجعل آسفي نموذجا وطنيا، هي أنها عاشت خلال يونيو 2025 الوجهين المتناقضين لتدبير الماء. إذ شهدنا شكاوى سابقة من اضطراب التزويد أو الانقطاع، ثم تلاه غرق مفاجئ في دجنبر من السنة ذاتها. هذه الثنائية ليست تناقضا مرتبطا بالوضعية التي فرضتها الطبيعة فقط، بل هو تناقض سياساتي مرتبط بتدبير سياسات عمومية تميل إلى التعامل مع الماء كـ”مورد للتزويد” أكثر منه كـ”منظومة مخاطر”.
في الدول النامية، غالبا ما تمنح الأولوية لمشاريع قابلة للعرض بالأرقام مثل عدد السدود المبنية، كمية المياه المعالجة، عدد محطات تحلية المياه، ربط الأحواض المائية…؛ لأنها تمنح شرعية الإنجاز وتُقرأ كاستثمار في المستقبل. أما الصيانة اليومية والتعمير الآمن وحماية مجاري الأودية، فهي أعمال قليلة الظهور السياسي ولا تعطى لها الكثير من الأهمية، كما أنها لا تنتج صورا دعائية، لكنها في حقيقة الأمر تنتج شيئا أهم؛ ألا وهو تقليل الوفيات. هنا يقع الخلل؛ فالسياسة تكافئ ما يرى ويقاس سريعا، وتؤجل ما لا يرى إلا عند وقوع الكارثة.
واللافت أن المغرب، وفق وثائق صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لا يفتقر إلى الخطط أو الآليات المرتبطة بهذا الموضوع. إذ توجد استراتيجية وطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية(2020-2030)، وآليات للمراقبة والتتبع مثل مركز اليقظة والتنسيق (CVC). بالإضافة إلى توفر المملكة على صناديق تمويل مخصصة، ونظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية وفق قانون 110-14 دخل حيز التنفيذ في يناير 2020.
المشكل السياسي الحقيقي ليس في وجود السياسات، بل في ترتيبها. فالوقاية غالبا ما تُترك على هامش الأولويات، ولا تستدعى إلا بعد وقوع الكارثة. وهذا ما تؤكده أيضا خلاصات المجلس الأعلى للحسابات حين تشير إلى تشتت النصوص التشريعية المنظمة وتعدد المتدخلين وضعف استثمار نظم المعلومات وخرائط المخاطر في القرارات اليومية، ما يجعل “السياسة على الورق” أكثر تقدماً من “السياسة في الشارع”. ونسمي ذلك في تقييم السياسات العمومية، “فشل التنفيذ” لا “فشل الفكرة”. فالدولة تتبنى أهدافا، لكنها لا تبني سلسلة تنفيذ قوية تنطلق من المركز إلى الجهة، إلى الإقليم ثم إلى الجماعة. ولا تجعل تمويل الوقاية مشروطا بنتائج دقيقة قابلة للقياس.
بعد كل فاجعة، يبحث الناس عن المسؤول. لكن في بنية حكامة متعددة المستويات، تصبح المسؤولية موزعة. فوزارة الداخلية تُنسق التدخل، والجماعة تصون شبكات محلية، ومديرية التعمير تمنح الرخص، والتجهيز والماء يدبران الأحواض المائية والمنشآت المرتبطة بها، والسلطات الترابية تُراقب.
إن هذا التعدد قد يكون ميزة إيجابية، لو كان مصحوبا بآليات تنسيق صارمة ومساءلة دائمة، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح كل فاعل قادرا على القول: “الجزء الذي فشل ليس ضمن اختصاصي”. هنا تتولد “منطقة رمادية” لا تنتمي إلى أحد، لكنها تبتلع الجميع عند وقوع المطر. وتشير وثائق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن رفع فعالية التدبير يتطلب تقوية الأدوار الترابية وتعزيز ثقافة الوقاية، ما يعني أن جزءاً من المشكلة سياسي-مؤسساتي يتمثل في وضع أجوبة دقيقة على هذه الأسئلة: كيف تُدار السلطة محلياً؟ وكيف تُربط المسؤولية بالميزانية وبالمؤشرات؟
إن السياسة تظهر أيضاً في “من يدفع الثمن”. في آسفي، برزت مفارقة صمود بعض المنشآت الصناعية بفضل تجهيزات وقائية، مقابل هشاشة الأحياء السكنية المنخفضة والقديمة. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل سؤال سياسي حول العدالة: هل تُوزَّع الحماية العمومية وفق كثافة السكان وحجم الخطر، أم وفق القيمة الاقتصادية للموقع؟
في جميع الدولة النامية، تميل الاستثمارات إلى حماية “المناطق المنتجة” لأنها تمثل فرص الشغل والضرائب، لكن هذا المنطق إذا تحول إلى قاعدة غير معلنة، فإنه ينتج مدنا بطبقتين: طبقة محمية وطبقة مكشوفة معرضة لجميع أنواع المخاطر. ومع كل فيضان، تتسع فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين في الأحياء الهشة، لأنهم يرون أن حياتهم أقل أولوية من استمرار الإنتاج ونمو الاقتصاد.
من منظور تقييم السياسات، هنا يجب أن تُقاس العدالة بمؤشرات: أين تتركز نقاط الغمر؟ هل تُعالج الأحياء الأكثر هشاشة أولاً؟ هل تُعاد نفس الخسائر في نفس الأحياء كل سنة؟ وهل توجد شفافية في نشر خرائط الخطر وتحديد “النقاط السوداء”؟
في بلد بموارد محدودة، لا يعني الإصلاح السياسي الواقعي بلورة مشاريع ضخمة فقط، بل يجب إعادة توجيه ما هو متاح نحو الوقاية القابلة للقياس، عبر “حزمة” مترابطة من الإصلاحات:
- جعل خرائط المخاطر شرطاً إلزامياً في رخص البناء، ومنع التوسع داخل أحزمة الفيضانات، مع مسار اجتماعي (بدائل سكنية/تعويضات موجهة) لتجنب تحويل المنع إلى قرار فوقي غير قابل للتطبيق.
- وضع برنامج سنوي إلزامي لتنظيف المصبات وقنوات التصريف، ونشر تقارير صيانة علنية الذي يمنع تراكم مصادر الخطر.
- تركيز التمويل المتاح على “النقاط السوداء” داخل المدن بدل مشاريع موزعة بلا أثر واضح، مع ربط التمويل بمؤشرات مثل زمن تصريف المياه، وتراجع الغمر المتكرر، وخفض الخسائر السنوية.
- اعداد بروتوكول واضح يربط الأرصاد بقرار محلي سريع وبقنوات تواصل مباشرة مع السكان، لأن حماية الأرواح لا تنتظر اكتمال البنيات التحتية.
ختاما، فإن فاجعة آسفي تظهر أن سياسة تدبير المياه في المغرب لم تعد قطاعا خدماتيا فقط، بل فرصة سانحة لتجسيد الشرعية والثقة والعدالة. فالدولة قد لا تستطيع بناء كل ما تبنيه الدول المتقدمة، لكنها تستطيع أن تجعل الوقاية أولوية، وأن تربط التمويل بالمؤشرات، وأن تضع حدا لتشتت المسؤوليات. وإلا، سيظل المطر امتحانا سياسيا متكررا، وستظل مدننا كلها تتأرجح بين العطش والغرق.
اترك تعليقاً