منتدى العمق

حب قلق

كبرنا في الأزقّة الضيّقة، حيث تعلّمنا أن نقرأ الوطن على الجدران قبل الكتب، وأن نحفظ أسماء المناضلين المنسيّين من على حيطانٍ مهترئة، أبناء المدارس التي كانت تردّد في طابورها الصباحي: الله، الوطن، الملك. كنا نردّدها ببراءة، نرى في الوطن بيتًا واسعًا، وشمسًا تحنو على الجميع.

كنا نحمل الوطن في دفاتر المدرسة، وفي أغنيات الفجر، حين كانت الأمّ تدسّ دعاءها في جيوبنا الممزّقة وتقول: الله يرضي عليك، ويحنّ عليك فهاد البلاد.

ثم أغلقت البلاد أبوابها. تحوّلت إلى سجنٍ للقصيدة، وخوفٍ للفكرة، ومطعنٍ للفقراء. يُحاكَم فيها المفكّر لأنه تساءل، ويُدان الحالم لأنه كتب عن وطنٍ يتنفّس حرية، وطنٍ يفتح نوافذه على ضوء الناس، لا على ظلال الخوف.

كم هو موجع أن يتحوّل الوطن إلى خريطةٍ بالحبر السرّي، والمنفى إلى بيتٍ نلوذ به؟

نحن جيل التشظّي؛ نشأنا بين وعود النهضة وشعارات الوحدة والتنمية، ثم استفقنا على واقعٍ بارد: شهادات مكدّسة، مستشفيات تحتضر، ومؤسّسات تائهة كالهياكل العظمية.

صار الحديث عن الوطن فعلَ حذر، كأنّ الانتماء يُختَزَل في الاصطفاف أو في ترديد الصيغة الرسميّة.

الوطن فكرٌ حيّ، يتجلّى في العدالة والكرامة.

الخطر الأكبر على الأوطان هو البلادة: حين يتحوّل القمع إلى عادة، والفساد إلى قاعدة، والاحتقار إلى نظام. حين يشعر المواطن أنّه غير مرئي، أو أنّه رقم في نشرةٍ انتخابيّة.

هنا يبدأ المنفى — عند الخروج من الذات، من الحلم، من الإيمان بأنّ الوطن بيتك.

كم من شابّ وُوجهت كفاءته بالريبة؟

وكم من مبدعٍ حوصِر لأنه لم يصفّق؟

وكم من أستاذ، وطبيب، ومهندس، ومسرحي، وناشط اختار الرحيل، بحثًا عن كرامةٍ تليق بجهده وأحلامه؟

والمفارقة أنّ الدولة، بعد أن تغفل عن أبنائها، تتساءل في تقاريرها: لماذا يهاجرون؟

لكنّ الراحل يغادر بعقله وخياله وأمله، قبل جسده.

الهجرة صرخةٌ ضدّ كلّ أشكال الطرد غير المباشر: طرد الحلم من المدارس، والكرامة من المستشفيات، والرأي الحرّ من الصحف والجامعات، والثقة من الانتخابات، والإنسان من حقّه في أن يكون إنسانًا.

نريد وطنًا تحكمه سلطة تُنصت لمواطنيها، ومؤسّسات ترى في النقد شراكة، ومدارس تفتح العقل وتضيئه، وإعلامًا يعكس نبض الشارع بصدقٍ ووعي.

الوطن علاقةُ حبّ، ومساحة احترامٍ متبادل. وحين يغيب الاحترام، تتسلّل المسافة، حتى لو بقي الجسد في المكان ذاته.

ولكي نستعيد للوطن معناه، علينا أن نعيد للفرد قيمته: أن يكون شريكًا في الحلم، وصوتًا في القرار، وأن يُعامَل بالثقة والمسؤوليّة.

الكتابة هنا نابعة من الغضب الشريف؛ غضب المُحبّ الذي يريد لبلده، هذا البلد الغنيّ بتاريخه وشعبه الصبور، أن ينهض إلى مقامٍ أسمى. غضب من يرى خيرة العقول تُقصى لأنّ الحكومة تضيق بالنقد.

المصالحة تبدأ حين تعترف الدولة بإنسانيّة مواطنيها، ويعترف المواطن بأنّ اللامبالاة خيانة صامتة، وأنّ الصمت عن الفساد مشاركة فيه.

بين الدولة والمواطن مسافةٌ من الشكّ، ستُردم بالحوار .

الأوطان تُبنى بالفكرة قبل الإسمنت، وبالكرامة قبل الحدود.

نحلم بوطنٍ يحتضن الاختلاف، ويمنح الحلم فضاءه الطبيعي، ويجعل الهجرة خيارًا حرًّا، والمواطنة حقًّا أصيلًا. وطنٍ تُكرَّم فيه الحروف، ويُصان فيه الشعر، ويُحتفى فيه بالإنسان لأنه إنسان.

أقسى ما يواجهه المرء أن يشعر بالغربة في الأرض التي وُلد فيها.

ومع ذلك، فالأمل باقٍ.

ما زال في هذا البلد من يزرعون الضوء في الزوايا المعتمة، ويعيدون للمعنى نبضه.

وما زال فينا من يكتب، ليُذكّر بأنّ الوطن وجهُ أمّ، وضوء شمس، وكرامة لا تُساوَم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *