رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ33)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
وفي مدينةٍ صغيرة، في مقهى الأطلس، كان يونس، من دون أن يعرف كل هذه الزوابع حوله، يمسح طاولةً بيده، يملأ كأسًا بالشاي لزبون، يبادل قاسم ابتسامةً خفيفة، ويقول لقلبه: “ربما… هذه المرة، لن أُنتزع بهذه السهولة.”
في مقهى الأطلس، بدأت الأيام تُشبه بعضها إلى حدٍّ مريح. يونس يستيقظ قبل الشروق، يساعد قاسم في فتح الواجهة المعدنية، يمسح الطاولات، يرتّب الكراسي على الرصيف، يشعل التلفاز الصغير على قناة الأخبار أو مباراة مُعادة. شيئًا فشيئًا، صار يعرف أيّ الزبائن يفضّل الشاي ثقيلًا، ومن يطلب القهوة بدون سكر، ومن يأتي فقط ليملأ فراغ وحدته بكأسٍ صغير وكلمات أكبر من الكأس. هذا الانتظام اليومي، رغم بساطته، كان يرمم داخله جزءًا من الإحساس بأنه “جزء من مكان”، لا ضيفًا على عتبات الآخرين.
قاسم كان يناديه أحيانًا بصوتٍ يحمل أكثر من معنى:
ـ يونس، هات صينية الشاي للطاولة الثالثة.
في الالتفاتة نفسها، كان هناك شيء من “ابني” يُقال دون حروف. يونس يلتقط الصينية بحذرٍ تعلّمه، يمشي بين الطاولات، يحاول أن يواري خجله بابتسامةٍ خفيفة. صار له هنا لقب صغير بين الرواد: “ولد قاسم”. لم يعد أحد يسأله كثيرًا: من أين جاء؟ لمن ينتمي؟ فالانتماء، في أذهانهم، بات يرتبط بالمكان الذي يخدم فيه وبالرجل الذي ينام في غرفته الخلفية.
في الراحة القصيرة بين موجة زبائن وأخرى، يجلس يونس أحيانًا على حافة الرصيف، يشرب كأس شايٍ سريع، ينظر إلى الشارع الصغير: باب فرنٍ تقليدي يخرج منه الأطفال حاملين أرغفة ساخنة، محلّ خضار يرش الماء على خُضرَته كل ساعة، شيّالٌ يدفع عربةً مليئة بصناديق المشروبات. تعوّد على هذه الوجوه حتى صار يفتقدها إن غاب أحدها يومًا. هذا التكرار اليومي كان يمنحه، لأول مرة منذ سنوات، شعورًا خافتًا بأن الزمن ليس كله ضدّه.
في أحد الأيام، كان الصباح يميل إلى الامتلاء. الزبائن الأوائل أنهوا قهوتهم، وأصوات الحديث تعالت. دخل رجلٌ بزيٍّ عسكري قديم بعض الشيء، يحمل على كتفيه أثر السنين، وعلى وجهه ملامح جبلٍ وخطوط طريق. دخل من باب المقهى، ألقى نظرة سريعة، ثم اختار كرسيًا في زاوية قريبة من الحائط، كمن يبحث عن ظهرٍ يسنده.
ذلك الرجل كان عسو، العم العسكري الذي حمل في صدره، منذ سنوات بعيدة، قصة لدغة أفعى وطفلٍ ظنّوا أنه مات. جاء إلى هذه المدينة الصغيرة في مهمةٍ عابرة، يتفقد نقطةً ما، يستريح قليلاً قبل أن يكمل الطريق.
تقدّم يونس نحوه وهو يحمل صينية عليها كأس شاي وقطعة سكر، لم يكن يعرف أنه يقترب، دون أن يدري، من دمٍ يمتدّ إلى حقل بعيد وسقف بيتٍ من طين. وضع الكأس على الطاولة، قال الجملة التي يقولها لكل زبون:
ـ بالصحة والراحة، عمي.
رفع عسو عينيه ليردّ ردًا عاديًا، لكن الردّ علق في حلقه لثانية أطولَ من المعتاد. رأى في وجه الصبي شيئًا أربكه: تقاطيع لا تخصّ أبناء المدن، سواد عينٍ يذكّره بعين شخص آخر، ظلّ ابتسامة لم يكتمل، خطّ الفكّ، طريقة الوقوف. لوهلة، لم يرَ أمامه “ولد قاسم”، بل رأى شبحًا يخرج من عمق ذاكرته: أمناي، ابن أخيه باسو، طفل الحقول الذي حملوه يومًا بين أذرعهم نحو المستوصف ولم يعودوا به.
هزّ رأسه كمن يطرد وَهْمًا. قال لنفسه: “أمناي مات. رأينا النعش، شهدنا الجنازة، سمعنا صرخات حادة.” لكن السؤال لم يختفِ تمامًا؛ ظلّ صوتٌ خافت في أعماقه يهمس: “لو لم تكن متأكدًا… لقلت إنه هو.”
راقب يونس من زاويته للحظات. الصبي يتحرك بخفة رغم آثار التعب القديمة، يحمل الأكواب، يجيب بابتسامة خجولة، يعود إلى الداخل ثم يخرج. كل حركةٍ كانت تُشبِه حركة قديمة رآها في طفلٍ كان يركض خلف البغل في الحقل، يغافل حادة ليذهب أبعد مما ينبغي.
لم يلتقط يونس النظرة الأولى لعسو كما ينبغي؛ بالنسبة له، كان هذا الزبون كغيره: رجل يرتدي بزة رسميّة، ربما من الجيش أو الأمن، جاء ليستريح. لم يربط بين هذه البزّة وبين بزّةٍ أخرى رآها يومًا في بيتهم القديم حين كان عسو يزورهم حاملاً قصص الثكنة. الزمن، بطبقتين من الألم والضياع، طمس عن ذاكرته تفاصيل كثيرة من القرية. بقي فقط ظلّ جبل، واسم “عسو” يطفو أحيانًا في أحاديث حادة وباسو حين يتذكران.
بعد دقائق، حين هدأت حركة المقهى قليلاً، التقط قاسم فرصة ليجلس قرب الطاولة المقابلة لعسو، يريح ظهره بعض الشيء. ألقى العسكري نظرة أخرى على يونس وهو يدخل إلى الداخل، ثم التفت إلى قاسم، سأل كمن يرمي سؤالاً يبدو عابرًا:
ـ هذا الولد… منذ متى وهو هنا معك؟
ابتسم قاسم:
ـ منذ شهور قليلة. جاءني من الله.
ـ من أهله؟
تغيّرت ابتسامة قاسم إلى شيءٍ أكثر جدية:
ـ أهله… تلك حكاية أخرى. لا نعرف لهم وجهًا ثابتًا.
قال عسو، مترددًا بين السؤال والسكوت:
ـ اسمه؟
ـ يونس.
توقفت يد عسو التي كانت ترفع الكأس. “يونس” ليس “أمناي”، لكنّ الوجه يشبه الوجه، والعين تشبه العين، والحكاية ـ كما سمعها من قاسم مختصرًا ـ عن “ولدٍ جاء من طريقٍ صعب” تُشبه حكاية أخرى سمعها من أخيه باسو يومًا بعد سنين من الجنازة، همس له فيها بأنه لم يرَ وجه ابنه في النعش.
لم يجرؤ أن يربط الخيوط بصوتٍ عالٍ؛ حتى في داخله، كان يخاف من أن يفتح على نفسه بابًا من الأسئلة المؤلمة: “ماذا لو لم يمت أمناي؟ أين كان طول هذه السنين؟ من باعه؟ من اشتراه؟ ومن تركه يتيه هكذا من بيتٍ إلى مزرعةٍ إلى مقهى؟”
ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع عينيه من تعقّب يونس في كل حركة. حين عاد الصبي ليجمع الأكواب الفارغة من الطاولات، مرّ قربه، كاد الكأس يلامس حافة الطاولة، كادت يد الصغير أن ترتعش للحظة تحت وطأة النظر. التقت العيون لثانية: عيون رجلٍ حمل البندقية سنين طويلة، وعيون طفلٍ حملت أثقالًا أكبر من وزنه. مرّ بينهما شيء لا اسم له، لكنّه حقيقي: نداء دمٍ من طرف واحد، وارتباك دمٍ لا يعرف من يناديه من الطرف الآخر.
في داخله، قال عسو لنفسه، وهو يضع الكأس على الطاولة بلطف:
ـ لو لم أكن متأكدًا من موت أمناي… لقلت إن هذا هو.
ثم عاد يذكّر نفسه بما يحفظه من تفاصيل: ورقة الوفاة، الختم الأزرق، النعش الذي حُمل على الأكتاف، التراب الذي وُضع على قبرٍ حمل اسم الطفل.
“لكن… من الذي رأى وجهه في النعش فعلاً؟”
هذا السؤال الذي ظلّ سنوات يهمس به في أعماقه عاد الآن بقوة، وهو يرى في هذا المقهى الصغير وجهًا يرفض أن يكون مجرد صدفة.
أما يونس، فحين دخل الغرفة الخلفية بعد انتهاء موجة الزبائن، لم يكن واعيًا بعد لِما يتحرك في الخارج. ربما أحسّ فقط أن نظرة ذلك الرجل العسكري كانت أطول قليلاً من غيرها، وأن في صوته حين قال له “الله يعاونك، يا بني” نبرةَ قرابةٍ لا يعرف مصدرها. لكنه اعتاد على ألا يمنح نفسه رفاهية التحليل لكل نظرة؛ العالم كان مليئًا بوجوه عابرة، وقلةٌ فقط هي التي بقيت.
ما لم يعرفه بعد، أن هذا الرجل الذي جلس بهدوء في زاوية المقهى، يحتسي شايه ويمسح بيده على شاربه، ليس واحدًا من الغرباء تمامًا؛ بل خيطًا جديدًا من الحكاية يوشك أن يشتبك مع خيوط قديمة: قرية بعيدة، ظلّ جبل، أفعى صغيرة، ولد اسمه أمناي، ورجل اسمه باسو ما زال يحمل في صدره، في مكانٍ ما، يقينًا لم يستطع أحد أن يمحوه بالكامل: أن ابنه لم يمت كما قيل له.
يتبع…
اترك تعليقاً