رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ34)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الطريق من مقهى الأطلس إلى مقرّ عمل عسو لم يكن طويلًا، لكنه في ذلك اليوم بدا أطول من العادة. كان يمشي بخطواتٍ يعرفها الطريق جيدًا، جسده يتحرك بآليّة الجندي الذي حفظ الخرائط، لكن ذهنه كان في مكانٍ آخر تمامًا. كلما ابتعد عن المقهى، تعلّق جزء منه أكثر بصورة ذلك الصبي الذي يقدّم الشاي بخجل، بملامح لا تريد أن تغادر ذاكرته.
في المكتب، حاول أن يغرق في الأوراق، في التقارير، في الأوامر اليومية. زملاؤه يتحدّثون عن دوريةٍ هنا، ونقطة تفتيش هناك، وهو يردّ بجُمَل مقتضبة، عيناه تهربان إلى النافذة دون وعي. بين لحظة وأخرى، كان يرى أمامه ـ لا الشارع ولا السيارات ـ بل وجه أمناي كما كان يراه في طفولته: عينان واسعتان، ضحكة تميل إلى جانب واحد، طريقة خاصة في إمالة الرأس حين يُسأل سؤالًا محرجًا.
يقول لنفسه: “الزمن يفعل أفاعيله بالوجوه… لكن بعض الملامح لا تخون.” ثم يعود ليواجه جدار اليقين المؤلم: “لكننا دُفناه، حملنا نعشه، رأينا التراب يُهال على قبره.”
تتسلل بعد ذلك جملة أخرى، لم تفارقه من يوم الحادثة: “من الذي رأى وجهه فعلاً في النعش؟”
ذلك المساء، حين عاد إلى البيت، لم يستطع أن يكتفي بالصمت كما فعل في أوقات شكٍ سابقة. جلس في غرفة الجلوس، حادة تحضّر الشاي، باسو يجلس على الحصير قُبالة التلفاز دون أن يراه، وجهه يحمل تلك التجاعيد التي حفرتها السنون والندم.
تنحنح عسو، شعر أنه يحمل في صدره خبراً يجب أن يُقال مهما كانت عواقبه. قال بصوتٍ حاول أن يجعله عاديًّا، فلم ينجح تمامًا:
ـ اليوم… رأيتُ ولدًا في مدينةٍ صغيرة.
لم يلتفت باسو كثيرًا؛ المدينة تعجّ بالأولاد. لكن حادة، التي علّمها الفقد أن تلتقط النبرات المختلفة، توقّفت يداها عن صبّ الشاي للحظة:
ـ ولد… كيف؟
أكمل عسو، عيناه على أخيه:
ـ يعمل في مقهى. اسمه يونس… لكن ملامحه…
تعثرت الكلمة في حلقه، ثم خرجت كما هي:
ـ ملامحه تشبه أمناي.
توقّف الزمن في الغرفة لثوانٍ. باسو رفع رأسه فجأة، كمن تلقى رصاصة في موضعٍ لم يكن يتوقعه:
ـ أمناي؟
حادة لم تُكمل حركة يدها؛ سقط كوبٌ فارغ على الحصير، تدحرج قليلاً.
قالت بصوتٍ مخنوق:
ـ يشبهه… كيف؟
جلس عسو أقرب، بدأ يحكي، بحذر من لا يريد أن يعطي أملًا كاذبًا ولا يستطيع أن يخنق الأمل كلّه:
ـ الطول… نظرة العين… طريقة الوقفة. حين وضع الكأس أمامي… رأيت ظلّ ابنك يا باسو. لو أنني لم أعش معكم ما عشتموه، ولم أحمل نعشه مع الرجال… لقلت دون تردّد: هذا أمناي وقد كبر.
ما إن أنهى الجملة حتى انطفأ شيء في وجه حادة؛ لم يصرخ قلبها هذه المرة، بل جسدها كله. سقطت على جانبها، فانقلبت الصينية، انسكب الشاي على الأرض. صاحت ابنة الجيران التي كانت تزورهم، هرع باسو وعسو نحوها. وجهها شاحب، عيناها مغمضتان، أنفاسها خفيفة.
هتف باسو، وهو يرفع رأسها، صوته ممتزجٌ بخوفٍ قديم:
ـ حادة!
رشّوا ماءً على وجهها، نادتها الجارة باسمها، مسحت على جبينها، حتى عادت إليها أنفاسها شيئًا فشيئًا. فتحت عينيها، نظرت إلى السقف، ثم إلى وجه باسو، ثم إلى أخيه، كأنها تبحث عن كلمة واحدة توقظها من كابوسٍ عمره سنوات.
لم تنتظر أن يشرحوا أكثر. بصوتٍ مبحوح لكنه حاسم، قالت:
ـ هو.
نظر إليها باسو، ارتجف صوته:
ـ لم يره إلا عسو…
ـ لا يهمّ من رأى. أنا… لم أقتنع يومًا أن ابني تحت التراب.
تأملتهما بعينين غارقتين في دمعٍ حارّ:
ـ منذ الجنازة، وقلبي يقول: أخطأوا في الطفل. النعش كان مغلقًا، لم يسمحوا لي أن أراه، قالوا إن وجهه تشوّه… قلتُ: حتى التشوّه أعرفه، لكنّهم حالوا بيني وبين ابني.
سكتت لحظة، ثم تابعت بكلماتٍ خرجت وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنين:
ـ لم أستطع أن أبكيه كما يبكي الناس موتاهم. كل ليلة، كنتُ أدعو وأقول: يا رب، إن كان تحت التراب، فارحمه، وإن لم يكن… فردّه إليّ قبل أن أموت.
ثم نظرت إلى عسو نظرةً مباشرة:
ـ اليوم، جاءني الجواب.
كان باسو ممزقًا بين الرجاء والخوف. صوت زوجته يُشعل فيه ما حاول أن يطفئه من أمل، وصوت عقله يذكّره بالورقة المختومة والختم الأزرق والأيدي التي حثت التراب. قال، محاولاً التماسك:
ـ وماذا إن كان مجرد شبه؟ يا حادة، الشبه كثير في خلق الله.
ردّت، والدمع على خدّيها:
ـ الشبه في الوجه… نعم. لكن الشبه في الوجع؟ لا.
ثم أضافت:
ـ إن كان طفلاً يشبه أمناي، وكُتبت عليه هذه الحياة المتعبة، ويعمل في مقهى بعيد عن أهله… ألا ترى أن هذا وحده يكفي لنقول: هذا حِسّه من حِسّنا؟
عسو، الذي تحاور في رأسه العسكري الانضباطيّ مع قلب العم، حسم الأمر بصوتٍ عملي:
ـ لن نعرف ونحن جالسون. سنذهب.
رفع باسو رأسه ببطء:
ـ إلى المدينة؟ إلى المقهى؟
ـ نعم. سترى بعينيك، وتنظر إليه حادة، ثم يفصل الله بين الظنّ واليقين.
يتبع…
اترك تعليقاً