منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ37)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل العاشر:

صرخة نحو مقعد الدراسة..

انتظار نتائج التحاليل كان يشبه وقوفهم جميعًا على حافة بئرٍ لا يرون قعره، يسمعون فقط صدى أنفاسهم وهي تهبط إلى الأسفل ثم تعود. في كل صباح، كانت حادة تستيقظ مبكرة، تسأل باسو السؤال نفسه:

ـ متى نذهب إلى المستشفى؟

ويجيبها بنفس الجواب:

ـ قالوا أسبوعين… لم يمرّ منهما إلا القليل.

لكن الزمن حين يرتبط بمصير ابنٍ حُسب ميتًا ثم عاد، لا يُقاس بالأيام في التقويم بل بعدد المرّات التي يذهب فيها القلب إلى الباب ليترقب خبراً فلا يأتي.

حين اتصل المستشفى أخيرًا، لم يكن الصوت في الهاتف يحمل دراما الأفلام؛ مجرد موظفٍ يطلب حضورهم لاستلام النتائج. في الطريق، جلس يونس في المقعد الخلفي، ينظر من النافذة إلى الحقول التي تفصل القرية عن المدينة. كان يشعر أن هذه الأوراق التي سيستلمونها الآن ستقرّر، ببرود أرقام وجداول، إن كان ينتمي فعلًا إلى هذه الأرض، إلى هذا الرجل وهذه المرأة، أم أن الحياة قررت أن تُبقيه يتيم النسب رسميًّا كما عاش طويلًا عاطفيًّا.

في مكتب الطبيب، جلسوا أمامه: باسو، حادة، عسو، ويونس. على الطاولة ملفّ بسيط بلونٍ باهت، يحتوي على ما هو أثقل من وزنه بكثير. فتح الطبيب الأوراق، نظر إليهم، حاول أن يرتّب الكلمات:

ـ نتائج البصمة الوراثية… واضحة.

شدّت حادة طرف ثوبها، تشبّث باسو بحافة الكرسي، ويونس حبس أنفاسه دون وعي.

أكمل الطبيب:

ـ هناك تطابق كامل بين عيّنة الولد وبين الأب… والأم أيضًا.

لم يفهم يونس لغة “التطابق الكامل”، لكن دموع حادة التي انفجرت، ويد باسو التي ارتعشت حين غطّت وجهه، وعين عسو التي أغمضها ثانيةً واحدة ليمسح شيئًا ما في الداخل، كانت كافية لترجمة الجملة إلى لغةٍ يعرفها: “أنت ابنُ هؤلاء، أمام الله وأمام العلم معًا.”

بعد ذلك، صار الأمر أقل شاعرية وأكثر ورقية: رفع طلب رسمي لإلغاء شهادة الوفاة القديمة، إجراءات أمام مصلحة الحالة المدنية، نقاش مع موظفٍ متشكّك لا يرى في المكاتب إلا الملفات لا الوجوه.

ـ لكن هنا شهادة وفاة موقّعة.

قال الموظف وهو يقلّب الأوراق.

ردّ عسو، بهدوء من اعتاد مواجهة البيروقراطية:

ـ وهناك الآن تحليل وراثي، وشهادة أطباء جدد، وتحقيق مفتوح في خطأٍ قديم.

في النهاية، أمام قوة الدليل العلمي وإلحاح الملف، بدأت دواليب الإدارة تدور، ببطء ثقيل، نحو “إعادة إحياء” اسم أمناي في السجلات: إلغاء لرقمٍ في خانة “المتوفين”، وإعادة إدراجه في خانة “الأحياء”.

لكن إعادة الاسم إلى السجل لم تغلق الملف، بل فتحته على مستوى آخر: التحقيق.

استُدعي الطبيب الشاب الذي كان في المستوصف يومها. شعر، وهو يجلس أمام المحقّق، أن ماضيه كلّه عاد ليجلس على الكرسي المقابل.

ـ هل تتذكّر هذا الطفل؟

يُعرض عليه ملف قديم، وصورة باهتة.

ـ مرّت علينا حالات كثيرة… لكن نعم، أذكر حادثة لدغة أفعى في ذلك اليوم.

ـ من أعلن الوفاة؟

ـ الأجهزة… المؤشرات… كنتُ الطبيب المناوب.

ـ هل تأكّدت بنفسك من توقف القلب؟

تلعثم:

ـ كان النبض ضعيفًا… الاختبارات الأولية قالت…

قاطعه المحقّق:

ـ لكن الطفل لم يمت.

أسند الطبيب ظهره إلى الكرسي، كأنّ شيئًا كان يخشاه لسنوات وأخيرًا نُطق:

ـ كنتُ تحت ضغط… قلة تجهيزات، مصل قديم، ممرضة واحدة، رجلٌ بعباءة يلحّ… قيل لي إن “الحالات الميؤوس منها” تُعلن لتُفسح الأسرة لها مجال الوداع.

لم يبدُ في كلامه أثر تواطؤ متعمّد بقدر ما بدا أثر ضعف، لكن القانون لا يُسقط المسؤولية بسهولة عن خطأ بهذا الحجم.

أما الحاج، فحين جاء دوره، لم يكن التحقيق معه حول مواصفات حقل الزيتون ولا حول نشاط المزرعة فقط، بل حول غرفة الكلب.

ـ هل احتجزتَ هذا الصبي في غرفتك الخلفية؟

ـ كان يحتاج مكانًا… مؤقتًا.

ـ هل حرمته من الطعام والماء لأيام؟

ـ لا… كنا نعطيه ما يكفي.

ـ شهادات تقول عكس ذلك.

في عينيه لمعة دفاعٍ متمرّس:

ـ كل من عنده عاملٌ ناقم سيروي قصصًا.

لكن اسم “حمض النيتريك” الذي استُخدم لإزالة وحمة من وجه طفل، والخيط الذي يربطه بشخصٍ في المستوصف، ثم برجلٍ في المدينة، كان ينسج شبكةً لا يسهل الخروج منها بمجرد ادّعاء النسيان.

رضا استُدعي هو الآخر. جلس أمام الأسئلة كمن يجلس أمام مرآةٍ لا تعكس إلا أجزاءً يكره أن يراها.

ـ احتضنتَ الطفل سنوات، ثم أعدته إلى الشخص نفسه الذي شارك في إخراجه من المستشفى أول مرة.

ـ لم أعرف كل التفاصيل في البداية.

ـ لكنك عرفت لاحقًا.

صمت طويل، ثم اعترافٌ شبه خافت:

ـ خفتُ على بيتي… وظننت أن الآخر يعرف “كيف يتصرف”.

ـ تعني الحاج؟

أومأ.

ـ هل كنت تجهل ما يمكن أن يفعله؟

ـ كنت… أتجاهل.

في قلب هذه الدوامة، كان يونس يستعدّ للشهادة. لم يجلس في قاعة المحكمة بعد، لكنه جلس في داخله عشرات المرّات، يراجع ما عاشه أمام نفسه:

ـ ماذا سأقول عن الطبيب؟

ـ ماذا سأقول عن الرجل ذي العباءة؟

ـ ماذا سأقول عن الحاج، عن رضا، عن محمد، عن زينب؟

كان يفرّق في نفسه بين من اعتبره “شيئًا” ومن اعتبره “ابنًا ثم خاف”. أمام الأوائل، لم يجد في صدره تردّدًا كبيرًا:

ـ سأقول الحقيقة كاملة.

أمام الآخرين، كان التردّد أكبر:

ـ هل أزيد على ذنبهم السلوكي ذنبًا قانونيًا ثقيلًا؟ أم أترك للقاضي أن يميّز بنفسه بين جرمٍ مقصود وخطيئة ضعف؟

في فرنسا، حين وصل لزينب خبر التحقيق الرسمي وأن اسمها وزوجها السابق وربما الحالي قد يرد في سياق “مسار الطفل”، كان عليها أن تختار: البقاء في موقع المتفرّج البعيد، أو الانخراط رسميًا.

جلست مع محامٍ هناك، شرحت له القصة كما تراها:

ـ لم أبع يوماً هذا الطفل، بل احتضنته. لكن نعم… تركته في لحظةٍ ظننت فيها أن الأفضل له أن يبقى في بلده حتى نؤمّن أوراقه. أخطأتُ في تقديري للناس حوله.

قال المحامي، بلغةٍ قانونية باردة:

ـ يمكن أن تُعامَلي كشاهدة، وربما كمقصّرة في واجب الحماية، لا كفاعلة أصلية في الجريمة. لكن إن التزمتِ الصمت، قد يُفسَّر ذلك هروبًا.

عادت إلى البيت، نظرت إلى ياسمين وهي تحاول أن تقف متشبثةً بطرف الأريكة، وقررت أنها لا تريد أن تحمل ابنتها يومًا قصة عن “أمٍّ هربت من مواجهة خطئها”. قالت لمحمد:

ـ سأشهد.

ـ ضِدّ مَن؟

ـ ضد لا أحد… في الحقيقة. سأقول: هؤلاء أحبّوا ثم خافوا، وهؤلاء استخدموا ثم رَمَوا. الباقي ليس لي، بل للقضاء، ولله قبله.

في القرية، بعد أن بدأت الإجراءات تتقدّم، واجه يونس ـ أمناي ـ تحدّياً آخر لا يقلّ قسوة عن التحقيقات: التعايش مع حياة البادية التي تحمل في ذاكرته جزءًا من طفولته، لكنّ جسده وروحه تعوّدا على حياة المدن.

في الأيام الأولى مع باسو وحادة، كان الكلّ يحتفي به: الجيران يأتون ليروه، القصص تتردّد عن “الولد الذي عاد من القبر”، الأطفال يراقبونه بإعجابٍ واستغراب. لكن بعد أن هدأ ضجيج الحكاية، بقي الواقع: بيت بسيط في القرية، حقل يحتاج إلى من يحرثه، طريق ترابي إلى المدرسة القريبة، روتين ريفيّ لا يشبه إيقاع المدن التي ارتحل بينها.

استيقظ ذات صباح على صوت الديك، على رائحة رطوبة الحقول، على باسو وهو يقول له:

ـ سنذهب إلى الأرض اليوم، نُريك جذورنا.

مشيا بين السنابل، بين أشجار اللوز، بين حجارة الطريق التي ربما سقط على بعضها وهو صغير. حاول أن يستدعي الذكرى: “هنا كنت ألعب… هنا نادَتني أمي… هنا…” لكنّ الصور كانت ضبابية. ما يتذكّره بوضوح الآن هو ضيق الأزقة في المدينة، ضجيج الشوارع، المقهى، صوت قاسم، رفوف الخبز في الفرن القريب، وحتى رائحة الزفت في الصيف.

 

بعد أيام، بدأت تظهر الفجوة: جسده يتعب من العمل في الأرض بطريقة لم يتعبها وهو يحمل الصواني في المقهى. الليل هنا طويلٌ بلا أضواء كثيرة، بلا أكوام من البشر تمنحه إحساسًا بأن العالم مستيقظٌ حوله.

همس لحادة يومًا، وهو يحاول أن يكون لطيفًا:

ـ أحبكما… وأحب هذه الأرض، لكن… المدينة تسكنني.

نظرت إليه بقلق الأم التي تخاف أن تخسره مرةً أخرى، لكنّها لم تُنكر كلامه. قالت بهدوء:

ـ أنت تشبه الماء يا ولدي… يجري، يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، لكنه يحنّ دائمًا إلى النهر.

ـ وأنا نهري… أين؟

ـ ربما بين الجبل والمدينة معًا.

كان يعرف أن قلبه صار موزعًا: جزء منه في القرية، مع باسو وحادة، مع ظلّ الجبل وسيرة أمناي؛ جزء في المدينة المغربية حيث قاسم والمقهى والحياة اليومية التي أعادته إلى بشر عاديين؛ جزء ثالث في فرنسا، حيث زينب وياسمين، حيث وُعد مرةً بحياة أخرى.

وبين كل هذه الأجزاء، كان عليه أن يقف يومًا في قاعةٍ باردة، يرفع يده، ويقول الحقيقة عن كل ما عاشه، حتى لو أدّت هذه الحقيقة إلى أن يدخل بعض من أحبّهم قفص الاتهام، أو أن تُسقط عن بعض من ظلموه الأقنعة.

لم يكن الطريق واضحًا بعد، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه لم يعد “ضائعًا بالكامل”. اسمه عاد، أهله عادوا، جزء من العدالة بدأ يتحرّك. يبقى الآن أن يجد لنفسه موضع قدمٍ بين البادية والمدينة، بين ماضي المزارع ومستقبل المقهى، وبين أمٍّ أنجبته دمًا وأمٍّ أنجبته قلبًا، دون أن يُضحّي بالحقيقة التي لو سكت عنها، لترك أطفالًا آخرين تحت رحمة غرفٍ بلا نوافذ وسماسرة بلا رحمة.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *