رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الأخيرة)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الفصل الأخير:
حين خرج يونس من الحكاية إلى الرواية..
في صباحٍ رماديّ من صباحات الإدارة، كنتُ أجلس في مكتب صديقي القديم في نيابة التعليم، أحتسي قهوة باردة أكثر مما ينبغي، وأتأمل وجوه المدرّسين الداخلين والخارجين، كلّ يحمل ملفًا أو همًّا أو طلب انتقال. كنت هناك زيارة عابرة، استراحة من جلبة الأخبار والكتابة، لا أبحث عن قصة جديدة، بل أظنّ أني أهرب قليلًا من ثقل القصص. لم أكن أعلم أن الباب سيُفتَح بعد دقائق ليدخل من خلاله الفتى الذي سيشغل روحي لسنوات، وسيقودني، من حيث لا أدري، إلى كتابة هذه الرواية.
دخل يونس ـ أو أمناي ـ بخطوات مترددة، يحمل في يده ملفًا أخضر ممزق الأطراف، وفي عينيه مزيجًا من الحذر والرجاء. دعاه صديقي إلى الجلوس، فتح الصفحة الأولى من ملفّه، بدأ يقرأ بصوتٍ منخفض، ثم رفع رأسه ونظر إلى الصبي وسأله السؤال الذي بدا لي في تلك اللحظة عاديًا:
ـ احكِ لي قصتك من البداية حتى نفهم كيف نعيدك إلى المدرسة.
ثم حدث ما لم يكن عاديًا.
بدأ يونس يحكي.
من لدغة الأفعى تحت ظلّ الجبل، إلى المستوصف ذي الجدران المتقشّرة، إلى الجملة الباردة: “القلب توقّف.” من النعش المغلق وورقة الوفاة، إلى الباب الخلفي للمستشفى وعباءة الرجل الذي حمله كأنه “شيء” لا “ابن”. من بيتٍ أول في المدينة، إلى بيت زينب ومحمد ورائحة الشاي في شقة ضيقة، إلى وعود السفر إلى فرنسا التي لم تتحقق. من طلاقٍ مزّقه وهو لا يفهم القوانين ولا المشاعر، إلى عودةٍ إلى رضا وزوجته سعاد، إلى قرارٍ جديد بإعادته إلى الرجل الأول بحجّة “إنقاذ البيت”. من مزرعة الحاج وغرفة الكلب والجوع والبرد والكوابيس، إلى الهروب حافيًا عشرين كيلومترًا نحو مدينةٍ لم يخطط لها، إلى مقهى الأطلس ويد قاسم الممدودة بخبزٍ وشاي وسرير بسيط في غرفة خلفية. من عودةٍ مفاجئة إلى باسو وحادة، إلى تحليل البصمة الوراثية، إلى كشف أثر لدغة الأفعى على ساقه، إلى ارتباك المستشفى والإدارة، إلى تحقيقٍ مع أطباء ورجال ونساء حملوه وتركوه، كلّ بطريقته.
كنت أسمعه يحكي، وصديقي يدوّن ملاحظاته الإدارية: “ملف حالة خاصة”، “انقطاع عن الدراسة لسنوات”، “حاجة لإدماج استثنائي”. أما أنا، فكنت أدوّن في داخلي شيئًا آخر تمامًا: ثقل كل بابٍ أُغلِق في وجه هذا الولد، رائحة كل غرفة حُبِس فيها، طعم كل لدغة، من سمّ الأفعى إلى سمّ الإهمال. أحسست أن الكلمات التي تخرج من فمه تضرب جدارًا في صدري، تترك فيه شقوقًا صغيرة، واحدة تلو الأخرى.
حين انتهى، سأله صديقي، ملتزمًا بوظيفته:
ـ وماذا تريد الآن، يا يونس؟
جاء جوابه كما عرفتُه لاحقًا في الرواية:
ـ لا أريد إلا أن أعود إلى الدراسة.
كان بإمكانه أن يطلب تعويضًا، وظيفة، واسطة، لكنه لم يطلب شيئًا سوى مقعد خشبي، سبّورة، وكتاب. في تلك اللحظة، ظهر لي جليًّا الفرق بين من يريد أن “يُسَوّي وضعه” ومن يريد أن “يُقيم نفسه”: الأول يطلب ما يخفّف عنه اليوم، والثاني يطلب ما يغيّر غدَه بالكامل.
غادرتُ النيابة ذلك اليوم وأنا أحمل في رأسي اسمًا ووجهًا وقصة مكتملة العناصر، لكنّني لم أكن مستعدًّا لكتابتها. كنت أظنّ أنها ستظل “حكايةً غريبة” أرويها للأصدقاء، ثم تهدأ. لكنها لم تهدأ. في كل مرة مررتُ قرب مقهى في مدينة، رأيت ظلّ يونس يحمل صينية. في كل خبر عن طفلٍ مفقود أو عن مستشفى مهمل أو عن مسؤول باع ضميره، كنت أسمع جملة “القلب توقّف” كطعنة. في كل حديث عن “الإدماج المدرسي” و”حقوق الطفل”، كان وجهه يطلّ عليّ من بين السطور.
مرت سنوات، تغيّرت فيها أشياء كثيرة. يونس نفسه لم يبقَ ذلك الفتى الذي دخل مكتب نيابة التعليم. صار رجلاً. دخل المدرسة متأخرًا عن أقرانه، لكنه لحق بهم بجدٍّ أعاد تعريف “الإصرار” في عيني. كبر، واشتغل، وبنى لنفسه حياة جديدة في مدينةٍ لم تعد غريبة، تزوّج، وصار له بيت صغير لا يشبه بيت باسو في القرية ولا شقّة زينب في فرنسا ولا مزرعة الحاج ولا غرفة الكلب، بل بيتًا اختاره هو.
حين علمتُ، بعد زمن، أنه سمّى طفلته الأولى “زينب”، شعرت أن الحلقات التي بدت يومًا متفرّقة وجدت طريقةً لتتداخل: اسم المرأة التي أحبّته في المدينة البعيدة، صار اسم ابنته التي تحبو الآن على سجادة بيتٍ جديد. لم يكن ذلك تكريمًا بسيطًا، بل اعترافًا معقّدًا بأن الحبّ لا يُلغيه الخطأ، وبأن الذاكرة يمكن أن تُصفّي ما علق بها من مرارة وتترك ما تستحقّه من امتنان.
أما أنا، فكلما طال الزمن، لم يزَل في نفسي شيءٌ عالق من حكاية يونس. كنت أكتب عن السياسة، عن المدن، عن الأخبار، لكن بين سطرٍ وسطر، كان يطلّ ظلّ طفل يُحمَل من سرير المستوصف إلى مقعد سيارة، ومن مقعد سيارة إلى حظيرة، ومن حظيرة إلى رصيف، ومن رصيف إلى مقهى، ثم إلى مكتب مسؤول يطلب عند بابه فقط: “دعوني أعود تلميذًا.”
شروخ خفيفة بدأت تظهر في داخلي كلما فكّرت في كمّ الصدف والقرارات التي كان يمكن أن تنهي حياته في أي منعطف: لو تأخر قاسم عن فتح الباب، لو أغلق الحارس باب غرفة الكلب جيدًا، لو لم يلتقط عسو ذلك الشبه في المقهى، لو قررت حادة أن تسلّم بقصّة الوفاة، لو اكتفى يونس بالعمل وترك حلم الدراسة. كنت أرى فيها سلسلة من المفاصل التي لو انكسرت واحدة منها، لما كان هناك اليوم رجلٌ اسمه يونس يحمل ابنته زينب.
وحين جلستُ أخيرًا إلى الطاولة لأكتب “ضائع في كفن الحياة”، لم أكتبها كصحفي ينقل “قضية”، ولا كروائي يبحث عن “حبكة” فقط، بل كتبتها كمن يحاول أن يضمّد شروخًا في نفسه عبر ترتيب فوضى الحكاية على الورق. اخترت أن أحكيها بصيغةٍ تجعلني حاضرًا في الهامش: أنا الراوي الذي التقى بيونس صدفة، وحمل قصّته معه، وتركها تختمر في الوجدان حتى نضجت رواية. لم أكن شاهدًا على كل التفاصيل طبعًا؛ كثير منها أعدته المخيلة لتسدّ فراغات الواقع، لكنّ جذر الحكاية ظلّ واحدًا: طفلٌ أعلنه النظام ميتًا وهو حي، ثم قضى عمره يحاول أن يُقنع العالم كله بأنه يستحقّ أن يعيش حيًّا، لا على قيد الدم فقط، بل على قيد الكرامة.
وأنت الآن، وأنت تقرأ هذه الأسطر الأخيرة، يكون يونس قد خرج منذ زمن من صفحات هذا الكتاب إلى حياةٍ أخرى: ربما يجلس في مقهى لا يشبه “الأطلس”، يراجع واجبات ابنته، يشرح لها درسًا في التاريخ عن الظلم وكيف يلتفّ على القلوب، أو يرافقها إلى باب المدرسة الذي طرقه هو يومًا بصوتٍ مبحوح. لعلّه يحمل بيده اليوم مفتاح بيتٍ صغير، وبطاقة تعريف صحيحة بهذا الاسم الذي جمع حياتين، وينظر إلى ساقه أحيانًا فيرى أثر لدغة الأفعى، فيبتسم ابتسامة خفيفة، كمن يلمس توقيع القدر على جسده، لا ليحقد، بل ليتذكّر الطريق التي قطعها.
أما أنا، فحين أضع النقطة الأخيرة في هذه الرواية، لا أتوهّم أنني تخلّصت تمامًا من أثر الحكاية. القصص التي تحمل في داخلها هذا القدر من الوجع لا تُغادرنا بسهولة؛ تبقى منها شظايا في الروح، تنبّهنا كلما مررنا قرب مستشفى عمومي، أو مقهى شعبي، أو مزرعة معزولة، أو مكتب مسؤول إداري. لكنّي أرجو، فقط، أن كتابة هذه الصفحات خفّفت قليلًا من ثقلها في داخلي؛ أنني، بإعادة سردها، منحتُ لنفسي أيضًا فرصة الخروج من “كفنٍ” صغير، كفن العجز عن فعل شيء، إلى فضاءٍ أوسع: فضاء الكلمة التي، وإن لم تُعد الزمن إلى الوراء، تستطيع أن تقول بوضوح: “هنا وقع ظلم. هنا نهض طفل. هنا، في هذه الحكاية، لم يكن الضياع قدرًا نهائيًا، بل مرحلـةً في طريقٍ طويل نحو حياةٍ اختارها صاحبها بنفسه.”
النهاية…
اترك تعليقاً