الفجوة بين النظرية والممارسة: تجربة اليسار المغربي المعاصر
يعكس مسار اليسار المغربي تجربة تاريخية طويلة ومعقدة، تشكلت عبر عقود من التراكم الفكري والسياسي، وحملت معها إرثًا غنيًا من التنظير والنضال، مقابل ضعف واضح في تحويل هذا الرصيد إلى أثر اجتماعي مباشر. هذا المسار أفرز مفارقة دائمة بين عمق المرجعية الفكرية وتراجع القدرة على التأثير في الحياة اليومية للمواطنين، خاصة في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
راكمت التيارات اليسارية خطابًا كثيفًا يستحضر الذاكرة النضالية ويستند إلى الرموز التاريخية والشهداء والتضحيات الكبرى، غير أن هذا الخطاب ظل بعيدًا عن الأسئلة الملموسة التي يطرحها الواقع الاجتماعي. المواطن المغربي يواجه ضغطًا اقتصاديًا متصاعدًا، يتجلى في ارتفاع تكاليف المعيشة، هشاشة فرص الشغل، وضعف الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والبنيات الأساسية، خاصة في المناطق الجبلية والريفية والمجالات المهمشة. هذه الوقائع اليومية لم تحظ بالترجمة السياسية الكافية داخل البرامج والتصورات المطروحة.
ضمن هذا المسار، اتجه جزء واسع من اليسار المغربي إلى تكريس الشعار بوصفه محور الفعل السياسي، فتحول الخطاب إلى بنية لغوية مكثفة تستند إلى الذاكرة الرمزية والمرجعيات التاريخية، مع محدودية واضحة في الاشتغال البرنامجي المرتبط بالواقع الاجتماعي. هذا الحضور الطاغي للشعارات أعاد إنتاج خطاب تعبوي قائم بذاته، ورسّخ صورة تيار يتقن التعبير العام أكثر من قدرته على تحويل المواقف السياسية إلى سياسات ملموسة تمس حياة المواطنين.
الاعتماد المستمر على مرجعيات فكرية تعود إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي ساهم في تعميق هذا الانفصال. التحليل السياسي ظل محكومًا بقوالب قديمة، عاجزة عن استيعاب التحولات المرتبطة ببنية الاقتصاد الوطني، وأنماط الهشاشة الجديدة، وتغير العلاقات الاجتماعية. هذا الجمود أضعف القدرة على بناء خطاب قريب من التجربة المعيشة، وأثر في مستوى الثقة السياسية والتواصل مع القواعد الاجتماعية.
يظهر ضعف التأطير السياسي عاملًا إضافيًا في تعقيد الوضع. عدد مهم من المناضلين يشتغل داخل التنظيمات دون تكوين نظري ومنهجي يسمح بفهم التاريخ السياسي المغربي، واستيعاب الخلافات الفكرية والتنظيمية، وصياغة خطاب سياسي متماسك. محدودية الاطلاع على الكتابات الحديثة والبحوث الميدانية جعلت الخطاب يدور داخل دائرة مغلقة، بعيدة عن النقاشات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، وهو ما زاد من عزلة الفكر السياسي عن محيطه.
ينعكس هذا الوضع بوضوح في العلاقة مع الفلاحين والعمال وسكان المناطق النائية. هذه الفئات تواجه نقصًا حادًا في الماء والكهرباء، صعوبات في التنقل، هشاشة في الولوج إلى التعليم والعلاج، وعزلة اقتصادية مزمنة. الفعل السياسي في هذه المجالات يحتاج حضورًا ميدانيًا منتظمًا، واستماعًا مباشرًا لمطالب السكان، وصياغة حلول عملية مرتبطة بالسياق المحلي. غياب هذا الاشتغال عمّق المسافة بين الخطاب السياسي وانتظارات هذه الفئات.
قضايا النساء والفئات الهشة تكشف بدورها حدود المقاربة المعتمدة. النساء في العالم القروي يعانين من الاستغلال الاقتصادي، ضعف الخدمات الصحية، والعمل في شروط قاسية دون حماية اجتماعية كافية. الطلبة المنحدرون من أسر فقيرة يواجهون عوائق بنيوية في التعليم والتكوين. إدراج هذه القضايا في الخطاب السياسي ظل عامًا في الغالب، دون تفصيل إجرائي يوضح أثر السياسات المقترحة على الحياة اليومية.
التواصل الجماهيري يمثل عنصرًا حاسمًا في استعادة الفاعلية السياسية. المناضل يحتاج حضورًا دائمًا في الأحياء والأسواق والقرى، وقدرة على شرح المبادئ الكبرى بلغة واضحة، تربط بين الاختيارات الاقتصادية والنتائج المباشرة على الأسعار والشغل والخدمات. الخطاب السياسي الفعّال يقوم على التفسير والتبسيط والربط بالواقع الاجتماعي الملموس.
تؤكد التجارب التاريخية أن التيارات اليسارية التي نجحت في بناء قواعد اجتماعية واسعة امتلكت قدرة على الجمع بين الرؤية النظرية والعمل الميداني، وبين التحليل البنيوي والاستجابة للحاجات اليومية. غياب هذا التوازن قاد إلى تراجع التأثير، وضعف الحضور في النقاش العمومي، وانكماش القاعدة الجماهيرية.
إعادة بناء اليسار المغربي تقتضي مراجعة عميقة لأدوات الاشتغال. تطوير التأطير السياسي يستوجب دراسة التاريخ الوطني، فهم التحولات الاجتماعية، والانفتاح على الإنتاج الفكري المعاصر. التكوين في مهارات التواصل والعمل الميداني يظل شرطًا أساسيًا لتحويل الأفكار إلى قوة اجتماعية. التركيز على الفلاحين والعمال والنساء وسكان الهوامش يمنح الخطاب مصداقية، ويعيد ربط السياسة بالواقع اليومي.
أزمة اليسار المغربي تعبّر عن اتساع المسافة بين الفكر والممارسة، وبين الخطاب والواقع الاجتماعي. تجاوز هذه الأزمة يرتبط بالقدرة على تحويل الشعارات إلى برامج، والمرجعيات إلى سياسات، والنضال الرمزي إلى فعل يومي ملموس. هذا المسار وحده يفتح أفق استعادة الثقة وبناء قاعدة جماهيرية فاعلة قادرة على الإسهام في التغيير الاجتماعي والاقتصادي.
اترك تعليقاً