منتدى العمق

حين يتحول القانون من ضمانة للعدالة إلى أداة للانتقاء

إن اعتقال الأستاذة نزهة مجدي، عضو التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، مباشرة بعد صدور قرار محكمة النقض القاضي بتأييد الحكم بسجنها ثلاثة أشهر نافذة بسبب مشاركتها في احتجاجات مارس 2021، لا يمكن قراءته كإجراء قانوني محايد أو تنفيذ عادي لحكم قضائي نهائي. ما وقع هو فعل سياسي بلبوس قانوني، ورسالة ردع صريحة موجهة لكل من يجرؤ على الاحتجاج خارج السقف المسموح به فعليًا لا دستوريًا.

من الناحية الشكلية، قد يُقال إن الأمر يتعلق بحكم نهائي واجب التنفيذ. غير أن الشكل لا يعفي من مساءلة الجوهر، والجوهر هنا يفضح خللًا بنيويًا في فلسفة تطبيق القانون، حيث لا يُقاس التنفيذ بميزان العدالة، بل بميزان “من هو المعني بالحكم، وماذا يمثل صوته؟”.

السؤال الجوهري ليس: هل الحكم قانوني؟

بل: لماذا يُنفَّذ القانون بهذه السرعة والقسوة هنا، ويُصاب بالشلل حين يتعلق الأمر بملفات الفساد الكبرى؟

لقد راكم المغرب سجلًا طويلًا من القضايا الثقيلة المرتبطة بتبديد المال العام، والرشوة، واستغلال النفوذ. قضايا موثقة بالأرقام، وبملايير السنتيمات، وبأضرار مباشرة على الاقتصاد والخدمات العمومية. ومع ذلك، شهدنا مساطر تمتد لسنوات طويلة، وأحكامًا ابتدائية واستئنافية لا تُنفَّذ، ومدانين يواصلون تقلد المناصب العمومية، والتوقيع على صرف المال العام، في استخفاف صارخ بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

قضية كازينو مراكش، ملفات التعاضديات، وقضايا جماعات ترابية عديدة، ليست سوى نماذج على عدالة بطيئة حد التواطؤ، وعدالة انتقائية حد الفضيحة. عدالة تتريث، وتُمهل، وتُعيد المحاكمات، وتفتح باب الطعون بلا نهاية، إلى أن يفقد الرأي العام الذاكرة أو الأمل.

في مقابل هذا التراخي الممنهج، نُفاجأ بسرعة تنفيذ استثنائية حين يتعلق الأمر بأستاذة، موظفة عمومية، لم تختلس درهمًا واحدًا، ولم تُبدِّد مالًا عامًا، ولم تستغل نفوذًا، ولم تتربح من منصب. “جريمتها” الوحيدة أنها خرجت للاحتجاج السلمي دفاعًا عن حق مهني مشروع، كفله الدستور نفسه الذي يُفترض أن يحتكم إليه القضاء.

الأخطر من ذلك، أن الأستاذة نزهة مجدي لم تكن فقط موضوع متابعة، بل كانت ضحية اعتداءات لفظية وتحرش في الشارع العام أثناء الاحتجاج، من طرف عناصر من القوات العمومية، وهي أفعال يُجرمها القانون الجنائي صراحة. ومع ذلك، لم يُفتح تحقيق جدي، ولم تُحدَّد المسؤوليات، ولم يُحاسَب أي طرف. الصمت كان هو الجواب. وكأن القانون هنا قرر أن يرى بعين واحدة: عين مفتوحة على المحتج، وعين مغمضة أمام التجاوزات المرتكبة في حقه.

هذا الكيل بمكيالين لا يضرب فقط مبدأ المساواة أمام القانون، بل ينسف أحد أعمدة دولة الحق، وهو حياد العدالة. فالعدالة التي تُلاحق الضحية وتتجاهل المعتدي، وتُعاقب الاحتجاج وتتسامح مع الفساد، ليست عدالة، بل إدارة للعقاب.

ثم هناك البعد المغيَّب عمدًا: حق التلاميذ في التعليم. فاعتقال أستاذة عاملة في القسم لا يُعد فقط مسًّا بحريتها الفردية، بل هو اعتداء غير مباشر على حق عشرات المتعلمين في الاستقرار التربوي، وعلى حقهم في الاستفادة من أستاذتهم. وكأن الدولة، في لحظة واحدة، قررت معاقبة الأستاذة وتلامذتها معًا، في مفارقة صارخة مع كل الخطابات الرسمية حول “إصلاح التعليم” و“مصلحة المتعلم”.

وهنا يصبح السؤال أخلاقيًا وقانونيًا في آن واحد:
هل القانون في المغرب أداة لتحقيق العدالة، أم وسيلة لضبط المجال الاجتماعي وقمع الاحتجاج؟
هل يُطبَّق القانون لأنه قانون، أم لأنه يُستخدم حين يكون الطرف ضعيفًا، بلا نفوذ، وبلا حماية؟

في دولة تحترم نفسها، يُطبَّق القانون بالصرامة نفسها على الجميع، لا حسب الموقع الاجتماعي، ولا حسب طبيعة الصوت، ولا حسب درجة الإزعاج. القانون ليس عصا تُرفع في وجه المحتجين، ولا درعًا يُحمل لحماية الفاسدين. وحين يفقد القانون هذا التوازن، يتحول من مرجع للعدل إلى مصدر للظلم المقنّن.

إن قضية الأستاذة نزهة مجدي ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة مقلقة من تجريم الاحتجاج الاجتماعي، وتطبيع الانتقائية في تطبيق العدالة. وهي إنذار واضح: حين يُعاقَب من يطالب بحقه أسرع ممن ينهب الحق العام، فاعلم أن الخلل لم يعد في النصوص، بل في الإرادة.

في دولة القانون الحقيقية، القانون يكون فوق الجميع.
أما حين يُستدعى فقط لمعاقبة الضعفاء، فذلك إعلان غير مكتوب عن أزمة عدالة… وأزمة ثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *