السياسة في مواجهة الطوفان: قراءة نقدية في مقال فؤاد بوجبير حول فاجعة آسفي
تُعد فاجعة “واد الشعبة” بمدينة آسفي المغربية مادة خصبة للمساءلة الفكرية والسياسية، وهو ما التقطه الكاتب والباحث فؤاد بوجبير في مقاله التحليلي، الذي لم يقف عند حدود الوصف، بل غاص في مكامن الخلل المنظومي. نُقدّم هنا قراءة نقدية تركيبية تستنطق أفكار الكاتب وتضعها في سياقها الأوسع، برؤية تربط بين السياسي والقانوني والسوسيولوجي.
1. القراءة الأخلاقية: السياسة كـ“أمانة” ضائعة
ينطلق الخيط الناظم للمقال من نقد حاد لتحوّل العمل السياسي المحلي من “رسالة” لخدمة الصالح العام إلى “أداة” لتراكم المصالح الضيقة. إن استحضار الكاتب لمفهوم “تفاهة الشر” كما صاغته حنّة أرندت، يشكّل أداة تحليلية دقيقة لتشريح البيروقراطية المحلية؛ حيث تصبح الكارثة نتيجة قرارات إدارية “صغيرة” ومستهترة — كتوقيع رخصة بناء أو تجاهل تقرير تقني — وليست بالضرورة ثمرة نية تدميرية مبيتة. هنا، تكمن الجريمة في “اللامبالاة المؤسساتية” التي تقتل بصمت تحت غطاء الإجراءات الروتينية.
2. القراءة السوسيوسياسية: صدام العقلانية العلمية والزبونية
ينتقل التحليل إلى كشف الصراع الخفي بين “المنطق العلمي” (الدراسات الجيولوجية وخرائط المخاطر) و“المنطق الزبوني” (إرضاء الناخبين وتعزيز الولاءات). يرى بوجبير أن “تسييس الجغرافيا” عبر استغلال المناطق الهشة لبناء قواعد انتخابية يمثّل خيانة للأمانة الدستورية. هذا الخلل يضع الإصبع على الجرح: فالجماعات الترابية تعاني من “أنيميا” في الهندسة الاستراتيجية مقابل “تضخّم” في الحسابات الانتخابية العابرة.
3. القراءة القانونية: مأزق “المسؤولية الضائعة”
في محاولة لربط الفاجعة بالهيكل القانوني للدولة، يبرز المقال هشاشة ميكانيزمات التنفيذ رغم التقدم الدستوري المعلن. فالكاتب يرى أن المسؤولية داخل الجماعات الترابية تضيع في “سلسلة من الفلاتر” الإدارية التي تُميّع المحاسبة. إن نقد “المسؤولية الجماعية الهلامية” والدعوة إلى “تفريد المسؤولية” — أي تحديد من قرّر ومن رخّص بالاسم — يشكّل الجوهر القانوني اللازم لكسر حلقة الإفلات من العقاب، وتحويل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسساتية فعلية.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية بنيوية أعمق، تتمثّل في الفجوة القائمة بين التوجيهات الاستراتيجية العليا للدولة، وعلى رأسها التوجيهات الملكية المتكرّرة الداعية إلى الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والوقاية من المخاطر، وبين واقع تنزيل هذه التوجيهات على المستوى الترابي. فالإشكال لا يكمن في غياب الرؤية أو الإطار المرجعي، بقدر ما يتمثل في ضعف منظومات الترجمة والتنفيذ، حيث تتحوّل التوجيهات إلى شعارات مؤجَّلة أو توصيات غير مُلزِمة فعلياً. ومن هذا المنظور، لا تكشف فاجعة آسفي فقط عن خلل في القرار المحلي، بل عن قصور في السلسلة العمودية لتنزيل السياسات العمومية، بما يجعل من عدم تنفيذ التوجيهات الملكية إشكالية حكامة لا أزمة شرعية.
4. سوسيولوجيا المخاطر: آسفي في سياق “مجتمع المخاطر”
وإذا كان البعد القانوني يفضح مأزق المحاسبة، فإن البعد السوسيولوجي يوسّع أفق الفهم نحو طبيعة المخاطر نفسها. فلتعميق هذا الطرح، يمكن ربط مقال بوجبير بنظرية “مجتمع المخاطر” (Risk Society) لعالم الاجتماع أولريش بيك. فالمخاطر في حالة آسفي ليست “أقداراً طبيعية” محضة، بل هي “مخاطر مُصنَّعة” ناتجة عن “الجهل المؤسساتي المنظَّم”، حيث تختار المؤسسات أحياناً ألّا تعلم بحجم الخطر تفادياً لكلفته السياسية. إن فاجعة آسفي تجسّد، من هذا المنظور، “التوزيع غير العادل للمخاطر”، إذ تُدفَع الفئات الهشّة إلى السكن في مجاري الوديان، مما يحوّل المدينة إلى مختبر مفتوح لإنتاج الكوارث بفعل القرارات البشرية المتعثّرة.
5. خاتمة تركيبية: نحو “أخلقة” الحكامة الترابية
ختاماً، يمكن القول إن قراءة فؤاد بوجبير تتجاوز كونها مرثية لضحايا فيضان، لتغدو بياناً نقدياً يطالب باستعادة “المصلحة العامة” من براثن التدبير العشوائي. فالخيط الناظم للمقال يربط بقوة بين الأخلاق والتقنية والسياسة؛ إذ بدون “ترميم أخلاقي” للنخب المحلية، وبدون “هندسة تقنية” تستبق الكوارث، وبدون “تفعيل قانوني” صارم للمحاسبة، ستظل الأمطار، في كل مرة، بمثابة قاضٍ قاسٍ يحكم بسقوط شرعية التدبير المحلي أمام طوفان الواقع.
اترك تعليقاً