آخر أخبار الرياضة، أما بعد، العمق الرياضي

دراجي و”عقدة المغرب”.. هل يغسل مطر “الكان” ذاكرة 2019؟

كما لو أنه مهووس بخطف الأنظار والشذوذ عن القاعدة، يُصرُّ المُعلّق الجزائري حفيظ دراجي على مُعاكسة التيّار، وبذل محاولات يائسة لمقاومة الواقع. وهذا ما أثبته في تعليقه على مباراة يوم أمس بين المنتخبيْن السنغالي والبوتسواني، وهو يُبدي توجُّسا مُصطنعا من إمكانية تردّي جودة أرضية الملعب أمام التساقطات المطرية، وينتقي تركيزه على الحضور الجماهيري وجانب من المقاعد الفارغة في المدرجات.

يكفي القول بأن هذا المُعلّق جاب أرجاء المملكة سنة 2019 وحُمِل على الأكتاف تقديرا واحتراما، ليس بدافع تكريمه والاستكانة له، بل تجسيدا للقيم المغربية الخالصة المبنية على الكرم والجود والحس الإنساني المُتّقد. قبل ست سنوات فقط، انبهر بخيوط الشمس الدافئة لمراكش وأبحر فوق مياه أكادير واندهش بحيوية الدار البيضاء وتلاقح أطيافها، وظلّت عيناه مُعلّقتان دهشةً إزاء أناقة الرباط.

خلفيات هذا “التغيُّر الراديكالي” الذي طرأ على مواقف دراجي معلومة للجميع، وكواليس علاقته بمن يجرُّون الجزائر خلفهم واضحة للعيان، ولا شأن لنا بها في الحقيقة، لكن هذا التحوُّل الذي اقترفه الرجل يُوقعه فريسةً للسُّخرية والتندُّر، ويجعله وجبةً شهية لمن يحتاج إلى الانشراح والتنفيس والانبساط.

نقول هذا وما يرتكبه دراجي من اصطفافات عمياء إلى جانب حاكميه يبدو بعيدا عن الواقع، ولا يستند إلى أي أساس متين، بل يُسقطه في فخ التجنّي المجّاني والافتراء البئيس. وتأتي مواقف المعلق الجزائري مثل قطعة نشاز معزولة عن سمفونية يُجمع عليها الكثيرون بشأن هذه النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا، وأبرزهما رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو ورئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي.

هذان المسؤولان الوصيان على الكرتيْن العالمية والأفريقية أكّدا غير ما مرة أننا إزاء أفضل دورة في تاريخ كأس أمم أفريقيا، وهما لا يتحدثان من محض الخيال أو على سبيل التودُّد والمداهنة، وإنما بفعل اطلاع على كافة المعطيات ومتابعة الحدث عن كثب، بينما يتواجد “صديقنا” الآخر في الضفة الأخرى، مُفضّلا تفريغ الاستيهامات والانغماس في الأساطير والأحكام الجاهزة.

نؤمن يقينا أن دراجي يبذل جهدا مضاعفا وهو يُعبّر عن أطروحته للعيان، فهو يحاول إيهام نفسه بصِدق ما يتفوّه به وكذلك دفع الآخرين إلى تصديقه، وهذا اليقين نابع في الواقع مما تفرضه علينا ما أنجزته المملكة في مجموعة من الجوانب، وفتحها لأوراش جاءت متماشية مع اعتبار هذه النسخة من كأس أمم أفريقيا الأفضل في التاريخ.

نستحضر في حديثنا هذا تلك الصور التي لازالت عالقة في الأذهان من تنظيم الجزائر مسابقة بطولة أمم أفريقيا للاعبين المحليين 2024، تتصدّرها حافلات مهترئة ومتهالكة خُصّصت لنقل المنتخبات، وغيرها من العيوب التنظيمية التي تُحيل على مسابقة نُظِّمت في الثمانينيات وليس في القرن الـ21، في حين يُقيم بعد سنة واحدة بلد مُجاور منافسة ليس لا مثيل في سجل “الكان”.

اختار دراجي عدم التوقف عند الملاعب التسعة التي تحتضن نهائيات كأس أمم أفريقيا لأول مرة في تاريخ المسابقة، وفضّل تجاهل مكوث كل منتخب من المنتخبات الـ24 في فندق خاص بها وملعب تداريب مُخصّص لها، وعمد إلى عصب عينيه أمام البنى التحتية والإمكانيات اللوجيستية المرصودة في هذه النسخة، وصبّ تركيزه على جانب من مدرجات فارغة لمباراة في الدور الأول من “الكان” أُجريت في توقيت عمل ودراسةٍ.

ما يُمكن قوله هو أن هذا المعلق يشكو حساسية مفرطة مما تُحرزه المملكة من خطوات في عدة قطاعات، ونتساءل عما ستكون عليه ردة فعله سنة 2030، إذا أطال الله عمرنا جميعا، حينما سيحتضن المغرب نهائيات كأس العالم، وكل ما تعنيه من أضواء واهتمام وتطور، بينما على بُعد مئات الكيلومترات يُواجه بلد دراجي في توفير حافلات تحفظ كرامة الإنسان للمنتخبات المشاركة في “الشان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Reda
    منذ 9 أشهر

    أنا لاأعلم لماذا تعطوا اهتمام لهاته الأصوات النشاز. فبحديثكم عنه تعطوه أكثر من حجمه. فاتركوه للمثل القائل. القافلة تسير......