آخر أخبار الرياضة، العمق الرياضي، الكرة المغربية

6953c2d7da0e0

أظهر المنتخب الوطني أمس الإثنين نواياه الحقيقية الأولى في المنافسة على التتويج بكأس أمم إفريقيا، بالانتصار الذي حققه على المنتخب الزامبي بثلاثية نظيفة. وبقدر الشكوك التي سرّبتها النخبة المغربية إلى نفوس الجماهير بعد التعادل أمام مالي، عادت كتيبة المدرب وليد الركراكي لتبثُّ وتبعث بعض الاطمنئان في دواخل الكثيرين.

مقابلة الأمس لم تكن مجرد نزال كروي، بل شكّلت محطّة لتنازع القناعات بين الركراكي والرأي العام الكروي الوطني، وأثبتت في آخر المطاف أن ما ظلت ترفعه الجماهير من مؤاخذات وتُبديه من تحفُّظ حول الاختيارات البشرية والنهج التكتيكي للناخب الوطني مواقفٌ تحمل نزرا ليس باليسير من الصواب، وتكتسب مشروعية غير قابلة للطّعن.

بدا كما لو أن الركراكي أذعن، يوم أمس، للضغوطات التي سُلّطت عليه لمدة طويلة، وهو ينتقي تركيبة بشرية تحتكم إلى المنطق، وتحترم معيار الجاهزية. أعاد الإطار المغربي ترتيب الأوراق ورمّم الصُّفوف، فقد زجّ بعبد الصمد الزلزولي في الرواق الأيسر ودفع ببراهيم دياز في الجهة اليمنى، أما الصيباري الذي أحسّ بالاختناق وهو يشغل مركز الجناح الأيسر في المباراتيْن السابقتيْن، تمت إعادته إلى موضعه الأصلي كصانع ألعاب.

بهذه الاختيارات التي عمد إليها الركراكي لاح المنتخب المغربي في صورة أخرى، وظهر عازفا لسمفونية متناغمة تتخلّلها سلاسة بالغة في بناء الهجمات وشنّها على الخصم الزامبي، الذي وجد نفسه مُكبّلاً أمام الضغط العالي والدفاع المتقدم للكتيبة المغربية، وعندها فَقَدَ مفاتيح التسلل إلى الثلث الهجومي الأخير وخسر معركة وسط الميدان أمام مجموعة متراصّة ومتماسكة الخطوط.

كشفت مواجهة زامبيا أيضاً أن الاستناد إلى الجاهزية في عملية اختيار التشكيلة هو عنصر أساسي في معادلة النتائج الإيجابية، ورأينا كيف أن سفيان أمرابط، الذي ظل لسنوات، ركيزة محورية في منظومة “الأسود”، لازم دكة البدلاء وتقمّص مواطنه نائل العيناوي دوره بكفاءة عالية. كما أبان الركراكي عن تغيُّر مقارباته، ولو ظرفيا، حينما أزاح جواد الياميق وأقحم آدم ماسينا لمجاورة نايف أكرد في قلب الدفاع.

إن موقعة “ملعب الأمير مولاي عبد الله” يوم أمس أهدتنا دروسا بالجملة، ومكَّنتنا من استخلاص مجموعة من الاستنتاجات، أبرزها أن الجانب العاطفي المُبالغ فيه لا مكان له في لعبة باتت مسنودة بأساس علمي ومنطقي، وأن الإنصات لنبض الجماهير والتجرُّد من الأنا المفرطة سلوك يقود إلى الاستفادة من خبرات الآخرين، حتى لو كانوا مناصرين لم يدرسوا التدريب في الدورات التكوينية أو يَخْبروا تجربة الجلوس على دكة البدلاء.

نقول كل هذا ونستحضر في الوقت نفسه أن المنتخب الزامبي ليس ذلك الخصم الذي يُمكن بناء الأحكام القطعية على مواجهته، وهو منافس لم يتذوّق طعم الانتصار في كأس أمم إفريقيا منذ سنة 2012 لمّا أحرزها تحت قيادة الفرنسي هيرفي رونار، لذلك نتوخّى الحذر ونحن نُدلي بأقوالنا ومواقفنا هذه، لكن الأكيد أن أفضل مكسب من هذه المباراة هو تعزيز الرأسمال المعنوي للمنتخب الوطني واللاعبين بعد هذا الفوز المهم.

سيُقبل المنتخب المغربي الآن على أدوار خروج المغلوب بروح مُتجدّدة مُستفيدا من هذا الانتصار المعنوي، ويمكن للناخب الوطني الاشتغال مع اللاعبين في أجواء تسودها ضغوطا أقل، غير أن المرحلة الإقصائية ينتفي فيها هامش الخطأ ويصعب فيها التدارك، لذلك يجدر بالركراكي ولاعبيه التعامل مع هذه الأدوار بتركيز تام وحرص على الواقعية في تحقيق النتيجة التي سُتتيح وحدها لـ”أسود الأطلس” المضي قدما في المسابقة والتقدُّم في أدوارها.

يظل في الأخير خط الدفاع مصدر بعض التوجس داخل المنتخب الوطني، إذ غاب الثبات عن اعتماد قلب دفاع مستقر في المباريات الثلاث، ما بين ثنائية سايس مع أكرد والياميق رفقة أكرد وكذلك ماسينا مع أكرد، خاصة أن الخط الخلفي لم يُختبر يوم أمس بالشكل الذي يفتح الباب أمام الحكم على صلابته ومتانته أمام هجمات المنافسين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *