المغرب العميق

العطش والعزلة يحاصران 63 أسرة بدوار “إمينتزاخت” بورزازات.. وصرخات الساكنة تواجه بالتجاهل

تعيش حوالي 63 أسرة في دوار “إمينتزاخت”، التابع للنفوذ الترابي لجماعة إمي نولاون (قيادة إمغران) بإقليم ورزازات، فصولا مستمرة من المعاناة اليومية القاسية، حيث يطبق “ثالوث” العطش والعزلة والتهميش خناقه على الساكنة.

وكشفت معطيات ميدانية حديثة أن المنطقة تعيش خارج زمن التنمية، في ظل تعثر مشاريع حيوية وتوالي الوعود دون تنفيذ، مما حول حياة السكان إلى جحيم لا يطاق.

وفقا للمعطيات التي حصلت عليها جريدة “العمق”، تواجه الساكنة خصاصا مهولا في مياه الشرب، ما دفع الأسر إلى رحلات بحث مضنية عن “قطرة ماء” ولو كانت غير صالحة.

وتعتمد الساكنة حاليا على “عين مائية” تبعد عن الدوار بمسافة 4 كيلومترات، تتميز مياهها بالملوحة والحرارة، فضلا عن ضعف صبيبها الذي لا يسمح بالتزود إلا لمدة ساعتين فقط كل يومين.

الوضع لم يتوقف عند ندرة المياه، بل تجاوزه إلى كارثة صحية حقيقية، حيث أكدت المصادر ذاتها أن رداءة جودة هذه المياه، وارتفاع نسبة ملوحتها واحتوائها على ترسبات كلسية (الكالكير)، تسببت في مضاعفات صحية خطيرة للسكان.

وسُجلت معاناة خاصة في صفوف النساء، حيث اضطر عدد منهن لإجراء عمليات جراحية دقيقة على مستوى الحلق، كضريبة قاسية لاستهلاك مياه غير صالحة للشرب، في غياب أي بديل آخر.

عزلة طرقية ومبادرات ذاتية

بالموازاة مع أزمة العطش، يرزح الدوار تحت وطأة عزلة طرقية خانقة. وأفادت فعاليات المجتمع المدني أن مطلب الطريق لا يقل إلحاحا عن مطلب الماء. فمنذ 14 مارس 2023، ودواوير المنطقة (تمسولت، أيت مملن، وإمينتزاخت) تطالب بفتح مسلك طرقي بطول 3 كيلومترات لفك العزلة.

ورغم أن جماعة إمي نولاون كانت قد أنجزت دراسة تقنية للمشروع منذ سنة 2019، إلا أن الملف ظل حبيس الرفوف لسنوات. هذا الجمود دفع الساكنة، في خطوة تعكس حجم اليأس وغياب التدخل الرسمي، إلى الاعتماد على سواعدها وإمكانياتها الذاتية المتواضعة في أبريل 2025، حيث نجحوا في شق مقطع طرقي بطول كيلومترين، آملين أن تتدخل الجهات المختصة لإكمال التوسعة وتعبيد الطريق الرابطة بين “أمردول” والدوار.

وفي سياق تتبعها للملف، كشفت “جمعية الرقي للتنمية” عن مسلسل طويل من المراسلات الإدارية التي لم تجد آذانا صاغية، مؤكدة أنها راسلت عامل إقليم ورزازات، وقائد قيادة إمغران، ورئيس الجماعة بشكل دوري منذ سنة 2018، مرورا بسنوات 2019، 2020، و2021، وصولا إلى 2025.

وقدمت الجمعية مقترحات عملية لحل الأزمة، منها جلب الماء من عين وافرة بدوار “تاغيا أيت يونس” (بعد موافقة أهله)، أو تجهيز بئر بوادي إمينتزاخت. ورغم توجيه تذكير رسمي لعامل الإقليم في أكتوبر 2023، إلا أن “سياسة الصمت” كانت هي الجواب الوحيد، مما عمق الشعور بـ”الحكرة” والإقصاء لدى المواطنين.

في المقابل، برر رئيس جماعة إمي نولاون، في تصريح لجريدة “العمق”، تعثر حل أزمة الماء بصعوبات تقنية وطبيعية، موضحا أن مشروع تزويد الدوار بالماء كان مبرمجا جهويا، لكن عمليات الحفر السابقة باءت بالفشل إما بسبب ملوحة المياه المستخرجة أو غياب الفرشة المائية، مشددا على أن “العائق الأساسي هو إيجاد مصدر مائي صالح قبل أي استثمار”.

أما بخصوص الطريق، فقد رمى الرئيس بالكرة في ملعب الجهات المانحة، مشيرا إلى أن دور الجماعة اقتصر على إعداد الدراسة التقنية والترافع لإدراج المشروع ضمن “برنامج التنمية المندمجة”، في انتظار توفر التمويل اللازم.

أمام هذا الوضع المتأزم، جددت الفعاليات المحلية دعوتها للسلطات الإقليمية والجهوية للتدخل العاجل، مطالبة بالانتقال من “منطق الوعود والدراسات” إلى “منطق الفعل والإنجاز”.

وشددت الساكنة على أن الحق في الماء وفك العزلة هي حقوق دستورية أصيلة، وأن استمرار تجاهل معاناة سكان إمينتزاخت يفرغ شعارات “العدالة المجالية” و”تنمية العالم القروي” من أي مضمون حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غير معروف
    منذ 9 أشهر

    ليس علينا أن نرى الطريق كاملاً، يكفي أن نثق بمن بيده ملكوت كل شيء. نمضي بقلوبٍ مطمئنة، لأننا نعلم أن الله لا يغلق باباً إلا ليفتح ما هو أجمل، ولا يمنع أمراً إلا ليعطي ما هو أكمل. اللهم اجعل القادم من أيامنا أجمل مما مضى، وأقر أعيننا بما نرجوه.

  • Ismail Falt
    منذ 9 أشهر

    شكرا لكم على إيصال صوت ساكنة إمنتزاخت ، هناك تهميش حقيقي فكيف يمنع حفر بئر بالوادي رغم سهولة الحفر ووجود الماء بوفرة وذلك لأن بعض الدواوير تعترض على ذلك ، أليست الأولوية للإنسان قبل الشجر ، فمبرر المعترضين هو أن الحفر في الوادي سيؤدي لإضعاف الفرشة المائة عندهم أي الدواوير التي توجد بأسفل الوادي ، منذ متى للشجر حق أعلى على حساب مئات الأشخاص ،

  • التهامي امغران
    منذ 9 أشهر

    أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى جريدة العمق على تسليطها الضوء على معاناة قرية أمنتزاخت، هذه القرية المنسية التي تعيش تهميشًا حقيقيًا ومؤلمًا. قرية لا ماء صالح للشرب، ولا طريق يضمن كرامة الساكنة، ولا أي حماية من انجراف التربة الذي يهدد البيوت والحقول . إيصال صوت الساكنة هو أول خطوة نحو التغيير، ونأمل أن تجد هذه الصرخة آذانًا صاغية لدى المسؤولين قبل فوات الأوان. شكرًا لجريدة العمق على مهنيتها وجرأتها في نقل الحقيقة كما هي.