منتدى العمق

 من الهامش إلى النص 

حين ينتقل اللامنتمي من موقع التجاهل السياسي إلى فضاء الاعتراف التشريعي، لا بوصفه حلا جاهزا، بل باعتباره سؤالا مفتوحا عن معنى الانتماء، وحدود الوساطة، ومآلات التمثيل.

يعود اللامنتمي، لا باعتباره طارئا على الحقل السياسي، بل بوصفه أثرا جانبيا لتحولات عميقة في تمثُّل الشباب للسياسة، وفي تمثُّل السياسة للشباب. فالمقتضى الوارد في المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 53.25 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، المصادق عليه، والذي أتاح ترشح الشباب من غير انتماء حزبي، مع إمكانية الاستفادة من الدعم العمومي لمن هم دون 35 سنة، لا يمكن قراءته كمجرد إجراء تقني أو استثناء عابر، بل كعلامة دالة على اختلالات أعمق في بنية الوساطة الحزبية، وعلى بحث مؤسسي عن مخارج جديدة للشرعية.

إن السماح للامُنتمي بالولوج إلى الترشح، هو في جوهره اعتراف صامت بأن الحزب لم يعد، وحده، القناة الطبيعية لتصريف الطموح السياسي، ولا الإطار الحصري لتكوين النخب. لكنه في الوقت نفسه اعتراف ملتبس: هل هو إنصاف لفئة أُقصيت طويلا بفعل صلابة التنظيمات، أم هو التفاف ناعم على أزمة الثقة بين الشباب والأحزاب؟

اللامنتمي، هنا، ليس عديم الموقف، ولا فارغ المعنى. هو حامل لمعنى مختلف: معنى الشك في الأطر الجاهزة، والارتياب من الانضباطات الصارمة، والنفور من الهويات السياسية المغلقة. إنه ابن زمن يُقدم الفكرة على الشعار، والموقف على الانتماء، والفعل الجزئي على الالتزام الشامل. ومن ثمّ، فإن إدماجه تشريعيا لا يعني بالضرورة إدماجه سياسيا.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن بصدد توسيع دائرة المشاركة، أم بصدد إعادة تشكيلها بما يُفرغ العمل الحزبي من وظيفته التاريخية؟ فالديمقراطية التمثيلية، في بنيتها الكلاسيكية، قامت على الوساطة: حزب يبلور، يؤطر، ويحاسب. وعندما يُفتح الباب للترشح خارج هذه الوساطة، فإننا نربح مرونة ما، لكننا نخاطر بفقدان التراكم، والبرنامج، والمسؤولية الجماعية.

ثمّة مفارقة أخرى لا تقل دلالة: اللامنتمي يُستدعى تشريعيا بصفته “ شابا ”، أي بصفته سنا لا موقفا. وكأن السن وحدها كافية لمنح المشروعية، وكأن الانتماء الحزبي صار عبئا لا رصيدا. هنا يتحول الشباب من فاعل سياسي محتمل إلى فئة إحصائية، ويغدو اللامنتمي عنوانا للتجديد أكثر مما هو مشروعا للتغيير.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال هذا المقتضى في منطق الشبهة وحده. فقد يكون محاولة ـ ولو مترددة ـ لإعادة وصل ما انقطع بين السياسة وجيل يرى في الأحزاب مؤسسات هرمة، وفي الخطاب السياسي لغة مستهلكة. وقد يكون أيضا اختبارا تشريعيا لفرضية جديدة: هل يمكن للبرلمان أن يستقبل فاعلين بلا جذور تنظيمية، دون أن يفقد تماسكه ووظيفته؟

عودة اللامنتمي، إذن، ليست انتصارا ولا هزيمة. إنها سؤال مفتوح. سؤال عن معنى الانتماء في زمن السيولة السياسية، وعن جدوى الحزب في عصر الفرد، وعن قدرة النص القانوني على ترميم ما لم تستطع الممارسة السياسية إصلاحه.

وإذا كان القانون قد فتح الباب، فإن الرهان الحقيقي يبقى خارج النص: في قدرة الشباب، منتمين كانوا أو لا، على تحويل الترشح إلى فعل سياسي واع، لا إلى مجرد حضور عابر. فالديمقراطية لا تُبنى بالاستثناءات وحدها، بل بتجديد المعنى، قبل تجديد القواعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *