منتدى العمق

قرصنة بزيّ رئاسي.. واشنطن تغتال القانون الدولي في فنزويلا

ببساطة وبدون مواربة، ما جرى في كراكاس ليلة أمس لم يكن “عملية جراحية” لإنقاذ القانون كما تروج ماكينات البروباغندا في واشنطن، بل كان فصلاً جديداً من فصول القرصنة الدولية التي تتقنها الإمبريالية الأمريكية حين تشعر أن هيمنتها مهددة. إن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو هو إعلان رسمي عن سقوط ورقة التوت الأخيرة عن وجه “النظام العالمي” الذي لا يحترم إلا القوة، وهو طعنة في قلب فكرة “الدولة الوطنية” وما تبقى من كرامة للمواثيق الدولية التي يبدو أنها لفظت أنفاسها الأخيرة تحت أحذية المارينز.

​لقد قرر دونالد ترامب، بمنطق “الكوبوي” الذي لم يغادر ذهنيته أبداً، أن يحول العالم إلى ضيعة خاصة، ضارباً عرض الحائط بمفهوم السيادة الذي تأسست عليه العلاقات بين الأمم. إن الحجة الواهية التي سيقت حول “مكافحة المخدرات” ليست سوى غطاء أخلاقي سميك لإخفاء الجريمة الحقيقية التي ارتكبتها كراكاس في نظر واشنطن، وهي جريمة “الاستقلال” والكفر بقدسية الدولار، والإصرار على وضع ثروات فنزويلا الهائلة تحت تصرف شعبها لا تحت رحمة كارتيلات النفط والشركات العابرة للقارات التي تمول حملات اليمين الأمريكي.

​هذا الأسلوب في تصفية الحسابات السياسية عبر الاختطاف العابر للحدود يعيدنا إلى منطق الاستعمار المباشر في القرن التاسع عشر، حيث لا صوت يعلو فوق صوت البارجة. إنهم يريدون إقناعنا بأنهم يحررون الشعوب، لكن الحقيقة الماثلة أمامنا هي أنهم يستبيحون العواصم لتنصيب وكلاء يسهل التحكم بهم. فنزويلا، رغم الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته واشنطن لسنوات لتركيعها، ظلت عصية على الانكسار من الداخل، فما كان من “المركز” الإمبريالي إلا أن لجأ إلى القوة العارية لاختطاف الرمز السيادي للدولة.

​إن الصمت الدولي المريب، وتواطؤ بعض الأنظمة التابعة، هو بمثابة ضوء أخضر لكل القوى الاستعمارية لتمزيق سيادة الدول في الجنوب العالمي. مادورو، بصفته رئيساً منتخباً، يمثل في هذه اللحظة حق كل شعب في الاختيار بعيداً عن “مكتب التحقيقات الفيدرالي” أو “البنتاغون”. ما جرى ليس انتصاراً للعدالة، بل هو عربدة إمبريالية تذكرنا بأن المعركة اليوم ليست بين ديمقراطية وديكتاتورية كما يزعمون، بل هي معركة وجودية بين شعوب تسعى لسيادتها وبين إمبراطورية متوحشة لا تشبع من النهب، وترى في كل زعيم وطني متمرد مجرد “هدف” يجب تصفيته أو اختطافه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *