منتدى العمق

شيخوخة الأحزاب المغربية: حين تحبس “الوجوه الأبدية” أنفاس التغيير

لم يعد خفياً على أحد ذلك الشرخ العميق الذي بات يفصل بين جيل الشباب وبين المشهد الحسي المترهل في المغرب. إن حالة “العزوف” التي نلاحظها اليوم ليست مجرد مظهر من مظاهر اللامبالاة السياسية، بل هي موقف واعي ورفض صريح لمنظومة حزبية فقدت قدرتها على التجدد. لقد تحولت الأحزاب من مشاتل لإنتاج النخب والأفكار إلى “قلاع مغلقة” يحرسها قادة استأنسوا بالكراسي لعقود، حتى أضحى المشهد السياسي المغربي يبدو وكأنه مسرحية ثابتة الشخوص، تتغير فيها الفصول وتبقى الوجوه ذاتها تهيمن على المنصات والقرارات.

​وفي ظل هذا الجمود، تبرز تساؤلات حارقة حول مصير الأحزاب الصغيرة التي توفي زعماؤها أو خفت بريقها وتلاشت عن الأنظار. لماذا لا تفتح وزارة الداخلية والجهات الوصية الباب أمام إعادة إحياء هذه الكيانات وتسليم مفاتيحها للشباب؟ إن هذه الأحزاب، التي تمتلك أصولاً قانونية ومرجعيات إيديولوجية تاريخية، يمكن أن تكون “بيوتاً سياسية” بديلة للشباب الذين لا يجدون أنفسهم في الأحزاب الكبرى. بدلاً من تركها للإهمال أو الاندثار، يجب تمكين الطاقات الشابة من ضخ دماء جديدة فيها، وتكييف إيديولوجياتها مع تطلعات العصر، لتكون منصات انطلاق حقيقية بعيدة عن “الوصاية” والبيروقراطية القاتلة.

​إن استمرار وجوه سياسية مثل إدريس لشكر، نبيل بنعبد الله، وغيرهم ممن “أكل عليهم الدهر وشرب”، في تصدر المشهد الحزبي لعقود، يبعث برسالة سلبية مفادها أن التداول على السلطة داخل الأحزاب هو مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي. هؤلاء القادة، ورغم احترامنا لمساراتهم، باتوا يشكلون سداً منيعاً أمام الطموحات الشبابية، حيث يتم تكريس الولاءات الشخصية على حساب الكفاءة والتجديد. هذا “التكلس” القيادي هو السبب الرئيس في فقدان الثقة، فكيف لشباب يحلم بالمستقبل أن يثق في خطابات يقدمها قادة يمثلون الماضي بكل إخفاقاته؟

​إن غياب الثقة ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية للشعور بـ “الإقصاء الممنهج”. فالشباب المغربي اليوم، المسلح بالمعرفة والوعي الرقمي، يرى في الفاعلين السياسيين الحاليين مجرد باحثين عن ريع انتخابي ومناصب حكومية، بعيداً عن الهموم الحقيقية للمواطن. هذا الاغتراب السياسي يكرس القناعة بأن التغيير من داخل المؤسسات الحزبية الحالية هو “وهم”، طالما أن آليات الديمقراطية الداخلية معطلة، وطالما أن “الزعيم الخالد” هو الناهي والآمر في كل صغيرة وكبيرة داخل التنظيم.

​لقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة المفرغة عبر إصلاحات شجاعة تمس جوهر قانون الأحزاب. إن إنقاذ الحياة السياسية في المغرب يمر بالضرورة عبر “تشبيب” قسري للقيادات، وفتح المجال أمام المبادرات الشبابية لاستعادة الأحزاب المهجورة وتحويلها إلى فضاءات فكرية وديناميكية. إن الاستمرار في إعادة تدوير الوجوه نفسها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الركود، والمغرب اليوم في أمسّ الحاجة إلى “ثورة بيضاء” داخل الأحزاب تعيد للسياسة معناها، وللشباب ثقتهم في مغرب يتسع لطموحاتهم بعيداً عن كواليس “الشيوخ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *