حين يصبح الجنس عنصرا في التكييف الجنائي
الفعل واحد، والنتيجة واحدة، لكن التكييف الجنائي يختلف.
يضعنا هذا المسير التشريعي أمام مفارقة قانونية تثير أكثر من استفهام حول حدود الحماية الزجرية، ومنطق المساواة أمام القانون، ووظيفة القانون الجنائي ذاتها.
ففي سياق مناهضة العنف ضد النساء، اتجهت بعض مقتضيات القانون الجنائي المغربي إلى توصيف أفعال عنف معينة على أساس كونها ” موجهة ضد المرأة بسبب جنسها”، وهو توجه يطرح إشكالا حقيقيا، ليس من زاوية أخلاقية أو حقوقية، بل من الزاوية منطق الجنائي الصرف.
القانون الجنائي، في جوهره، يعاقب الأفعال لا الهويات، ويُقيّم الخطورة الإجرامية للفعل بناءً على طبيعته ونتيجته، لا على جنس الضحية. وعندما يصبح الجنس عنصرا في التكييف الزجري، نكون أمام انتقال غير معلن من تجريم الفعل إلى تقييم الدافع، ومن حماية السلامة الجسدية إلى تصنيف الضحايا وفق معايير جندرية.
فالفعل المادي الواحد – كالضرب أو الجرح مثلا – قد يخضع لتوصيف مشدد إذا استهدف امرأة، وتوصيف عادي إذا استهدف رجلا، رغم تماثل الركن المادي والنتيجة والخطر الاجتماعي. وهو ما يؤدي عمليا إلى تشطير المتابعات والعقوبات على أساس جنس الضحية، لا على أساس خطورة الفعل ذاته.
هذا التوجه لا ينسجم مع المنطق التقليدي للقانون الجنائي، الذي لا يُدخل الباعث ضمن عناصر الجريمة إلا استثناء، وبنص صريح، لما يطرحه ذلك من إشكالات إثباتية وتأويلية تمس مبدأ اليقين القانوني. فإثبات أن العنف كان ” بسبب الجنس” لا يتعلق بالفعل في حد ذاته، بل بنوايا داخلية يصعب ضبطها بمعايير موضوعية دقيقة، بما يضع المتابعة أمام سؤال القطعية.
وغالبا ما يُبرر هذا الاختيار التشريعي بالاستناد إلى المرجعية الدولية، غير أن هذا التبرير يظل محل نقاش. فالمنتظم الدولي لحقوق الإنسان لا يعتبر المرأة ” فئة قانونية” ذات مركز خاص دائم، بل شخصا قانونيا كاملا، تعرض تاريخيا لأشكال من التمييز البنيوي. ومن ثم، فإن ما تدعو إليه المواثيق الدولية هو اعتماد تدابير خاصة مؤقتة لمعالجة أوضاع واقعية محددة، لا إدماج التمييز في صلب التكييف الجنائي.
فالحماية الدولية تبنى على الوضعية الموضوعية، كالعنف الأسري أو علاقة التبعية أو استغلال الهشاشة، لا على الجنس كمعطى مجرد. وهو ما يتيح تعزيز الحماية دون المساس بحياد القاعدة الزجرية أو بمبدأ المساواة أمام القانون.
إن الخطر الكامن في هذا المنحى لا يكمن في نواياه، بل في مآلاته. فالإفراط في الحماية الجنائية قد يؤدي إلى اضعاف منطق التجريم ذاته، وتحويل القانون الجنائي من أداة لحماية القيم القانونية إلى مجال لإدماج اعتبارات تصنيفية لا تخلو من تحامل تشريعي.
إن حماية النساء من العنف تظل ضرورة، غير أن تكريسها تشريعيا لا يقتضي إدخال التمييز في التكييف الجنائي. فشرعية السياسة الجنائية تقاس بقدرتها على حماية الضحايا دون المساس بحياد القاعدة الزجرية، وإلا انقلب المقصد الحمائي إلى عبء على العدالة، وأفقدها توازنها.
اترك تعليقاً