مجتمع

شوارع وجدة تحت رحمة “مافيات التسول”: الرضع وسيلة لاستدرار العطف ومطالب لتشديد العقوبات

تعيش مدينة وجدة، عاصمة جهة الشرق، على وقع تفاقم ظاهرة التسول بالأطفال، في مشهد يومي بات يؤرق الساكنة ويثير تساؤلات حارقة حول مصير الطفولة في الفضاءات العامة، فبدل أن يكون مقعد الدراسة هو الملاذ الطبيعي لهؤلاء الصغار، أضحى الشارع مسرحا لاستغلالهم في استدرار عطف المارة وجمع المال، في انتهاك صارخ لحقوقهم الأساسية.

في شوارع مدينة الألفية، لا تخطئ العين مشاهد النساء اللواتي يحملن أطفالا رضعا أو يصحبن صغارا في عمر الزهور، يجُبْن شوارع المدينة الرئيسية، يتنقلن بين السيارات والمارة، ويمددن أيديهن طلبا للصدقة. هذا المشهد، الذي يتكرر يوميا ويزداد استفحالا، لا يقابله أي تجاوب ملموس من الجمعيات المعنية بالطفولة، التي تلتزم صمتا مقلقا إزاء هذه الظاهرة.

وفي هذا السياق، عبر عدد من المواطنين، في تصريحات متفرقة لجريدة “العمق”، عن استيائهم من هذا الواقع، مؤكدين أن وجدة تحولت إلى “فضاء مفتوح” لظاهرة التسول بالأطفال، حيث تُستغل براءتهم كوسيلة لاستعطاف القلوب وجني المال.

وأوضح أحدهم قائلا: “نحن لا نعارض مساعدة المحتاجين، وندرك أن الفقر قد يدفع البعض إلى التسول، لكن استغلال الأطفال في هذا السياق أمر مرفوض تماما، لما له من آثار نفسية مدمرة على مستقبلهم”. فيما أضاف آخر: “المؤسف أن هذه الظاهرة لا تحتاج إلى مجهود كبير لرصدها، فهي واضحة للعيان، لكن معالجتها تتطلب إرادة حقيقية وتدخلا حازما من الجهات المعنية”.

وفي هذا الإطار، شدد المتحدثون على أن الاستمرار في تقديم المال للمتسولين، خاصة من يستغلون الأطفال، يساهم في تكريس الظاهرة بدل الحد منها. في حين يرى فاعلون اجتماعيون أن تفشي هذه الظاهرة يعود إلى عوامل متشابكة، أبرزها الفقر، والبطالة، وتراجع الوازع الديني. غير أن المقلق، حسب رأيهم، هو تحول التسول في السنوات الأخيرة إلى نشاط مربح لدى البعض، حيث كشفت تقارير عن وجود متسولين يمتلكون ممتلكات وعقارات، ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود الحاجة وحدود الاستغلال.

وأمام هذا الوضع، دقت بعض الأصوات داخل المؤسسة التشريعية ناقوس الخطر، حيث دعا نواب برلمانيون إلى تعديل القانون الجنائي المغربي، بهدف تشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في استغلال الأطفال في التسول، سواء كان أبا أو أما أو وصيا أو مشغلا، حيث كان الفريق الاشتراكي قد تقدم بمقترح قانون يروم تجريم هذه الأفعال، حماية لحقوق الطفولة وصونا لكرامتها.

وفي إطار التصدي لهذه الظاهرة، كشف عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، أن مصالح الأمن الوطني عالجت خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025 ما مجموعه 34.312 قضية مرتبطة بالتسول، نتج عنها توقيف 39.143 شخصا، بينهم 1.092 قاصرا و10.810 نساء، إضافة إلى 1.816 شخصا من جنسيات أجنبية مختلفة.

كما أوضح أن هذه المصالح تمكنت، منذ سنة 2024 وحتى غشت 2025، من إحالة 18.805 قضايا متعلقة بالتشرد على النيابة العامة، وتقديم 3.098 أشخاص أمامها، فضلا عن إحالة 20.249 شخصا على المؤسسات الخيرية و20.751 على السلطات المحلية، بينما تم الإفراج عن 28.355 شخصا بعد التحقق من هوياتهم.

ويرى مهتمون أن الحل للحد من ظاهرة التسول بالأطفال لا يمكن أن يتحقق فقط عبر المقاربة الأمنية أو الزجرية، بل يتطلب رؤية شمولية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، حيث إن حماية الطفولة تظل مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة، وتمر عبر المدرسة، وتتوج بتدخل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. كما أن تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الظاهرة، والتوقف عن تقديم المال للمتسولين، قد يشكلان أولى الخطوات نحو الحد من هذه الآفة.

(الصورة من الأرشيف)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *