منتدى العمق

المغرب : صعود هادئ يربك خرائط النفوذ الإقليمي

يتجاوز التوتر المحيط بصورة المغرب في محيطه العربي والإفريقي مجال الرياضة والإعلام، ويفتح على بنية أعمق من التصورات السياسية والرمزية التي تحكم نظرة بعض الأنظمة والنخب إلى محيطها. المشهد قد يبدو تنافساً عادياً تحكمه قواعد اللعبة وتوازنات المصالح، غير أن تكراره وانتظامه يحوّلانه إلى مؤشر دال على تحوّل أعمق في موازين المكانة داخل الإقليم، وعلى إعادة ترتيب غير معلنة لسلم الرموز والقيادة.

في هذا التوتر يتجاور الظاهر والمضمر. في الواجهة، مباريات، تظاهرات، عناوين إعلامية، سجالات جماهيرية. وفي العمق، قلق سياسي مرتبط بتبدّل مواقع النفوذ، وبصعود نموذج يشتغل خارج القوالب التي اعتادت الهيمنة الإقليمية التحرك ضمنها، يصبح الحدث العابر علامة، ويغدو النجاح التقني رسالة سياسية صامتة.

تاريخ شمال القارة والضفة الشرقية من العالم العربي يحمل إرثاً ثقيلاً من التفكير المركزي. الدولة الكبرى، العاصمة المرجع، الخطاب الذي يحتكر تعريف الشرعية والتقدم. هذا النمط تشكّل في سياق دول ما بعد الاستقلال، حين ارتبطت الوطنية بالتصعيد الخطابي، وربط النفوذ بعلو الصوت والتمركز الرمزي. في هذا الإرث تُستقبل التجارب الخارجة عن المدار التقليدي بتوجّس، ويُنظر إلى النجاح غير الخاضع لبوابات الاعتراف القديمة كاختراق مقلق.

المغرب، عبر مساره الممتد خلال العقود الأخيرة، شقّ طريقاً مغايراً. اشتغال طويل النفس، بناء تراكمي، توسّع محسوب في دوائر الاقتصاد والاستثمار، حضور دبلوماسي يعتمد الصبر وتعدد القنوات، انفتاح ثقافي يستثمر في الصورة أكثر من الخطابة. هذا المسار أفرز حضوراً هادئاً، لكنه ثابت، حضور لا يطلب الإذن ولا يعلن التحدي، لكنه يفرض نفسه عبر النتائج.

هذا النوع من الحضور يربك أنظمة اعتادت قراءة النفوذ من زاوية الصدام والاصطفاف. النجاح لا يُرفع شعاراً، ولا يُقدَّم بديلاً أيديولوجياً، ويظهر في صورة وقائع متراكمة على الأرض: بنى تحتية، شراكات قارية، تنظيم محكم، وصورة دولية متماسكة. هذا الهدوء في الإنجاز يحرم الخصم من مادة الاشتباك، ويتركه أمام واقع يصعب تفكيكه بالخطاب وحده.

مع تعقّد الأزمات الداخلية في عدد من الدول، وتراجع قدرة السرديات التعبوية التقليدية على تعبئة المجتمعات، يتجه الغضب نحو الخارج. البحث عن خصم قريب، مفهوم، قابل للتشخيص، يتحوّل إلى حاجة سياسية. المغرب، بحكم قربه الجغرافي، وتشابك تاريخه مع الإقليم، وظهوره المتصاعد، يقدَّم كهدف مناسب لهذا الإسقاط. والرياضة تتحوّل إلى مسرح لهذا التوتر، والإعلام إلى مكبر، والجمهور إلى أداة جاهزة لتفريغ الاحتقان.

تنظيم تظاهرة قارية كبرى داخل المغرب شكّل لحظة فاصلة في هذا المسار، حيث أظهر الحدث إحتفاءً بالرياضة وأبرز القدرة التنظيمية والاستثمار الطويل في البنية التحتية، ورؤية تتجاوز حدود المناسبة. الصورة التي خرجت إلى القارة والعالم تجاوزت فكرة استضافة حدث، لتصبح عرضاً لدولة تدير الحدث ضمن مشروع أوسع يربط الرياضة بالاقتصاد، والرمز بالتنمية، واللحظة بالمسار.

هذه الصورة أحرجت أطرافاً اعتادت لعب دور المركز الطبيعي. المقارنات لم تُعلن، لكنها حضرت بقوة في الوعي الجمعي. مدن، ملاعب، طرق، لوجستيك، إدارة، خطاب هادئ، كل ذلك وضع نماذج أخرى أمام أسئلة صعبة. في هذا المناخ، ظهرت إشارات توتر من عواصم مختلفة. تلميحات إعلامية، تصريحات رمزية، سلوكيات صغيرة تحمل دلالات أكبر من حجمها. الاتجاه واحد: التشكيك في الاستحقاق، ومحاولة تفكيك صورة النجاح، ولو عبر الإيحاء.

اللافت أن القارة الإفريقية، في جزء واسع منها، استقبلت هذا التحول ببراغماتية واضحة. دول خبرت الهشاشة، وعاشت انتقالات معقدة، نظرت إلى التجربة المغربية باعتبارها فرصة توازن وشراكة. لغة المصالح تقدّمت على لغة الحساسية، ولغة المستقبل غلبت استعادة العقد القديمة. هذا الاستقبال الهادئ عمّق عزلة الخطاب العدائي، ودفعه نحو مزيد من الحدة، كما يحدث غالباً حين يشعر الصوت بانسحاب الأرض من تحته.

هذا العداء يؤدي وظيفة داخلية واضحة. إنه أداة لإعادة ترميم سرديات فقدت قدرتها على الإقناع. وسيلة لصرف الانتباه عن اختلالات بنيوية لم تعد قابلة للتأجيل. محاولة لإقناع الرأي العام بوجود معركة خارجية تفسّر التعثر، وتؤجل المحاسبة. في هذا المشهد، المغرب يتحول إلى مرآة، والمرآة بطبيعتها تثير القلق، لأنها تعكس الفارق دون حاجة إلى خطاب.

هذه المرآة كشفت التباين بين من استثمر الزمن ومن بقي أسير الماضي واللحظة، بين من راكم المؤسسات ومن أرهق الرموز، بين من بنى صورة متماسكة ومن استنزف صورته في الصراع الدائم. عند وضوح هذا التباين، يولّد توتراً يفوق أي خصومة مباشرة.

ما يطفو على السطح تعبير عن صراع نماذج. نموذج يراهن على البناء الصامت، وعلى توسيع الحضور عبر أدوات متعددة، دون حاجة إلى إعلان القيادة. ونماذج أخرى ما زالت تتحرك بمنطق ردّ الفعل، وتبحث عن تثبيت المكانة عبر الضجيج. مع كل محطة قارية أو دولية، يتضح الاتجاه العام. من يمتلك مشروعاً يواصل السير بثبات. من يفتقده يرفع صوته، ويشدّد نبرته، ويبحث عن خصم يبرّر به تعثّره.

الصراع، في جوهره، صراع على تعريف النجاح داخل الإقليم. هل النجاح نتيجة خطاب مرتفع، أم حصيلة عمل طويل؟ هل القيادة تُمنح بحكم التاريخ، أم تُنتزع عبر الفعل؟ المغرب، عبر مساره، يقدّم إجابة عملية عن هذه الأسئلة، دون حاجة إلى تحويلها إلى شعارات. هذه الإجابة، بقدر ما تفتح آفاقاً جديدة للتعاون، تزعج من بنى شرعيته على تصورات قديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *