منتدى العمق

الإفراط في التجريم يقلل من فعاليته

مقدمة:

كان من نتائج التغيرات السريعة التي يمر منها العالم المعاصر، أن حصل تغيير عميق في أشكال وأساليب السلوك الإجرامي، ومن هنا لم يتردد القائمون على مجال التشريع الجنائي من الحرص على تجريم أكبر قدر ممكن من أوجه السلوك الإجرامي، وذلك من منطلق أن الآلة الجنائية هي الوسيلة الأنجع للوقاية من تفشي الجرائم الخطيرة، منتهجة في ذلك أسلوبا استباقيا.

ومع تطور أساليب ارتكاب الجرائم على نحو أدى إلى تهديد أمن المجتمعات واستقرارها الاقتصادي كما هو الحال للمجتمع المغربي، أضحى الاتجاه نحو عولمة مقاومتها وكذا وسائل مكافحتها أمرا مشروعا، بل سارعت الأنظمة الجنائية من وثيرتها التدخلية على نحو اتخذ معه القانون الجنائي المعاصر منحى تسلطيا لمواجهتها، مما أدى إلى تضخم التشريع الجنائي وتناثر نصوصه بين مختلف القوانين، ناهيك عن الاتجاه نحو التجريم الوقائي.

وعليه فالمبالغة في تشريع الجرائم و تنوع مصادره نتج عنه بالتبعية تعطيل لبعض المبادئ التي طالما شكلت الركائز الأساسية التي يستند عليها القانون الجنائي اعتبارا للإفراط الذي عرفه التشريع المغربي على وجه الخصوص نظرا لكثرة تدخلاته وتغلغله داخل المجتمع، مما نتج عنه اختلال في البناء الداخلي للنظام الجنائي القائم وهو الأمر الذي كان له الأثر السلبي في إعادة إنتاج الانحراف.

مظاهر تنوع المصادر في صناعة النص الجنائي

إن أبرز مظاهر تنوع مصادر التشريع في النظام الجنائي المغربي يتمثل في تدخل السلطة التنفيذية إلى جانب السلطة التشريعية في إنتاج القاعدة الجنائية –أي أن الحكومة- هي التي تعمل على إعداد مشاريع قوانين وتقديمها إلى البرلمان قصد المصادقة عليها، وهي أداة تمنح اختصاصا تشريعيا بحكم ما تتوفر عليه من أغلبية تستطيع تمرير مشاريعها، ومن ثمة فالحكومة هي التي تهيمن على إدخال التعديلات والإصلاحات التشريعية على هذه القوانين وتوجيهها.

ومما يؤكد ذلك في النظام القانوني المغربي، نجد أن غالبية القوانين يكون مصدرها مشاريع قوانين، أي تلك التي تتقدم بها الحكومة. وليست مقترحات قوانين، أي التي يتقدم بها البرلمان، ومن هنا تتجلى هيمنة الحكومة أو السلطة التنفيذية على مجال التشريع في النظام السياسي المغربي.

و من أبرز الصور لتدخل السلطة التنفيذية في التشريعات الجنائية المقارنة نضرب لذلك مثلا بالمادة 34 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 الذي أوكل مهمة العقاب في مجال الجنايات والجنح للسلطة التشريعية، وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أن تشريع المخالفات موكول للسلطة التنفيذية، وهذه الصيغة التي أتى بها الفصل 34 من الدستور خلقت نقاشا واسعا وسط الحقوقيين، حيث عملت الحكومة بعد ذلك على سن مجموعة من المراسيم التي تنظم اختصاصها في مجال القانون الجنائي فيما يتعلق بالمخالفات، وهو ما أكدته المادة 111-2 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد وهي بصدد حصر مصادر التجريم والعقاب.

أما في مصر، فنجد أن نص المادة 66 من الدستور المصري واضح في أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون”، وقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المقصود بعبارة “بناء على قانون” ليس إلا تأكيد لما جرى عليه العمل في التشريع من أن يتضمن القانون ذاته تفويضا للسلطة التنفيذية المكلفة بسن اللوائح في تحديد الجرائم وتقدير العقوبات، مما مؤداه أن المادة 66 من الدستور تجيز أن يعهد القانون إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بعض جوانب التجريم والعقاب.

أما من جهة القانون المغربي، فله قانون واضح وأكيد في أن نصوص القانون هي المصدر الوحيد للتجريم والعقاب، باعتبار أن القيم والمصالح التي يحميها القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية لا يمكن تحديدها إلا بواسطة ممثلي الشعب، حيث أن الدساتير 1962،1970،1979،1992،1996،2011 تجعل مجال التجريم والعقاب وخلق المحاكم والمساطر الجنائية من اختصاص السلطة التشريعية، وهو ما يطرح التساؤل: هل القاعدة الجنائية ببلادنا مصدرها دائما هو القانون بمعناه الضيق؟

بالرجوع إلى الدستور المغربي نجده يأخذ بمبدأ انفراد التشريع بتحديد الجرائم والعقوبات بمقتضى الفصل 71 منه للحيلولة دون مباشرة السلطة التنفيذية لهذه الوظيفة، غير أنه بالمقابل نصادف نصوص دستورية أخرى تخول للسلطة التنفيذية إمكانية إنتاج القاعدة الجنائية ويتعلق الأمر بحالة التفويض البرلماني (الفصل 70 من دستور 2011)، أو في حالة استلام الحكومة للإختصاص التشريعي في الفترات الفاصلة بين الدورات (الفصل 81 من الدستور).

وكثيرة هي النصوص التي تضمنتها مجموعة القانون الجنائي لسنة 1962 والتي جاءت خارج إطار “مبدأ انفراد التشريع”، ومجموعة من القوانين الخاصة كما هو الحال لقانون الصحة، قانون الزيوت المسمومة، قانون محاربة المخدرات. ونصوص كثيرة جاءت مخالفة لقاعدة الاختصاص الحصري للمشرع بمجال التجريم والعقاب.

المبالغة في التجريم و تعدد مصادره عائق أمام مكافحة الجريمة

لاشك أن من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تضخم نصوص القانون الجنائي يتجسد في تنوع مصادر التجريم، حيث يلاحظ اتساع نطاق التفويض التشريعي تبعا لما يصطلح عليه ما بالتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فمعظم نصوص القانون الجنائي لا تتقيد بالصورة البرلمانية للتشريع، وبذلك لم يعد القانون بمعناه الضيق هو المصدر الوحيد الذي يحتكر إنتاج القاعدة القانونية من خلال إسناد إنتاج القاعدة الجنائية إلى غير المتخصصين بمجالها، وقد نتج عن ذلك كثرة التعديلات والاستدراكات الأمر الذي نتج عنه عدم التناسق والانسجام بين هذه النصوص، بالإضافة إلى كثرتها وسرعة تغيرها وغموضها بما لا يتيح حتى للمتخصصين أحيانا العلم بها و عدم التمكن من فهم مقتضياتها فما بالك بالمخاطبين بها.

مما جعل جانب كبير من الفقه يبدي تخوفا من هذه الوضعية من أن يساء استخدام الأداة الجنائية وتسخيرها خدمة لبعض الأغراض الفئوية الضيقة أو رعاية لبعض المصالح غير الجديرة بالحماية الجنائية، أو كوسيلة للتنكيل بالخصوم السياسيين أو محاربة المذاهب الإيديولوجية المناوئة.

و ختاما يمكن القول أن المبالغة و الافراط في التجريم جعل القانون الجنائي المغربي يكاد يفقد بشكل غريب غايته، من خلال تجريم بعض الأفعال التي قد لا تصل إلى درجة الخطورة باعتبارها اختلالات اجتماعية وسوسيو-اقتصادية وليست انحرافات سلوكية، اذ لا يكاد يخلو أي نص قانوني جديد من جرائم وعقوبات إلى درجة تضمين حتى القوانين الإجرائية التي تنظم سير المحاكمات نصوصا تجريمية وعقابية، مما أضحى معه القانون الجنائي أداة رعب دون أن يحقق غاياته في كثير من الأحوال، أدى الى تضخم القضايا الجنائية المعروضة على المحاكم ، و ساهم بشكل ملحوظ في ازدياد عدد السجناء والمعتقلين الاحتياطيين دون أن يحد من حالة العود أو يوفر الردع الحقيقي مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على عمليات التأهيل وإعادة الإدماج.

مما يستدعي تغيير المنظور الزجري الذي تستند إليه المنظومة الجنائية ببلادنا من خلال عقلنة القانون الجنائي و إضفاء ما يمكن إضفاؤه من البعد الإنساني عليه، و عليه أصبح لزاما التقليص من النصوص الجنائية المتضخمة من الجرائم التي لم يعد المجتمع يعتبرها متصفة بالخطورة على نظامه و لم تعد تنتهك القيم العليا التي يؤمن بها و يحميها بهدف تجاوز المنهج التقليدي في الزجر و العقاب إلى مناهج عقلانية و إصلاحية حديثة تعود بفوائد أكثر على المجتمع و تحقق أقصى فاعلية ممكنة في مكافحة الظاهرة الإجرامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *