قصة عائشة ببني ملال.. عشرون عاما من الجحيم الصامت وجريمة أنجبت ثمانية أطفال
خلف جدران غرفة ضيقة ومتداعية في دوار تيحونة بجماعة تيزي نسلي النائية، تتكثف فصول مأساة إنسانية استمرت لعقدين في صمت مطبق. هناك حيث تعيش الشابة عائشة، ذات الـ32 عاما، حبيسة حياة لم تخترها، حياة سلبت منها براءتها وطفولتها وكرامتها. اليوم تجلس عائشة، ذات الإعاقة الذهنية، محاطة بأربعة من أطفالها ووالدها الطاعن في السن الذي تجاوز عقده الثامن وأفقده الزمن نور بصره، لتروي نظراتها الشاردة قصة عنف جنسي ممنهج حولها من طفلة يتيمة الأم إلى ضحية وأم لأطفال لا تعرف مصير آبائهم.
وتعود فصول هذه المأساة المروعة إلى ما قبل عشرين عاما، حين كانت عائشة مجرد طفلة في ربيعها الرابع عشر، يتيمة الأم وتعيش في كنف أسرة من الرحل تفتقر لأبسط مقومات الحماية. في ذلك الوقت، تحولت إعاقتها الذهنية من وضع يستدعي الرعاية إلى ثغرة استغلتها ذئاب بشرية من محيطها القريب لتنفيذ أبشع الجرائم. لم يكن الاعتداء حدثا عابرا، بل كان جريمة مستمرة وممنهجة تعرضت لها لسنوات طويلة، في غياب تام لأي رقيب أو حسيب، وفي ظل تواطؤ مجتمعي قائم على الصمت والخوف من الفضيحة.
وكشف مصدر تابع القضية عن كثب أن الاعتداءات المتكررة على مدى السنوات الماضية أسفرت عن إنجاب عائشة لثمانية أطفال في ظروف مأساوية. وأوضح المصدر أن أحد هؤلاء الأطفال فارق الحياة، بينما تكفلت أسر أخرى بتبني ثلاثة منهم في محاولة لإنقاذهم من واقعهم المرير. أما الأربعة الباقون، وأكبرهم شاب يبلغ من العمر اليوم سبعة عشر عاما، فيعيشون مع والدتهم وجدهم في غرفة واحدة، يتقاسمون قسوة العيش وضبابية المستقبل، ويحملون على عاتقهم وزر جريمة لم يقترفوها.
وأشار المصدر ذاته إلى أن دائرة الجناة، وفقا لما يتداول في المنطقة، لم تكن بعيدة عن الضحية، بل ضمت أشخاصا ممن كان يفترض فيهم توفير الحماية والأمان لها، لكنهم تحولوا إلى جلادين استباحوا جسدها الضعيف وأحلامها البسيطة، مستغلين سلطتهم ونفوذهم وصمت المحيطين بهم.
وفضح المصدر، وهو أحد أبناء المنطقة، أن قصة عائشة ظلت طي الكتمان لسنوات طويلة، وأن الجميع كان على علم بما تتعرض له، لكن لم يجرؤ أحد على كسر جدار الصمت. وأضاف أن ما حدث لعائشة ليس مجرد جريمة فردية، بل هو نتاج فشل منظومة مجتمعية ومؤسساتية بأكملها، حيث تقاطعت عوامل الفقر المدقع والعزلة الجغرافية والهشاشة الاجتماعية مع غياب شبه تام لآليات الحماية الرسمية، ما جعل من عائشة وأمثالها فريسة سهلة للمعتدين. ورغم قتامة المشهد، برز بصيص أمل من خلال تضامن بعض سكان المنطقة الذين بادروا مؤخرا بتوفير مأوى بديل لعائشة وأطفالها، في خطوة إنسانية نبيلة فضحت تقاعس الجهات المسؤولة.
وقد دخلت المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة مؤخرا على خط القضية، معلنة تبنيها الكامل للملف ومتعهدة بمتابعته على كافة الأصعدة القانونية والحقوقية.
واعتبرت المنظمة في بلاغ لها، توصلت جريدة العمق بنسخة منه، أن قضية عائشة تدق ناقوس خطر وطني حقيقي حول الوضع الكارثي والهشاشة التي تعيشها النساء والفتيات ذوات الإعاقة في المغرب، مؤكدة أن ما تعرضت له الضحية ليس حالة معزولة بل يكشف عن نمط مقلق من الجرائم التي تستهدف هذه الفئة في المناطق القروية والجبلية.
وسجلت الهيئة الحقوقية بقلق شديد أن الإعاقة الذهنية في مثل هذه الحالات تتحول من وضع يستوجب الحماية المضاعفة إلى سبب مباشر للاستباحة والانتهاك، حيث يصبح جسد الضحية فضاء مستباحا، وتتحول هي نفسها إلى متهمة ومنبوذة وغير مصدقة من طرف محيطها.
وطالبت المنظمة في نداء عاجل وجهته إلى النيابة العامة ووزارة التضامن ووزارة العدل والسلطات الترابية، بالتحرك الفوري وفتح تحقيقات جادة ومعمقة في هذه القضية وجميع الحالات المماثلة في المنطقة، مع ضرورة توفير الحماية الفورية والكاملة للضحية وأطفالها والشهود، وتفعيل آليات تكفل تراعي خصوصية الإعاقة الذهنية.
وشددت المنظمة على أن كرامة النساء ذوات الإعاقة ليست قابلة للتفاوض أو التأجيل، وأن أي تهاون في حمايتهن ومحاسبة المتورطين في تعنيفهن، بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم، هو تواطؤ صريح مع الجريمة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان.
تعليقات الزوار
حسبنا الله و نعم الوكيل، يحز في النفس أن نجد فتيات ذوات إعاقة مستغلات جنسيا من طرف بعض معارفهم بدل حمياتهم ، الدولة كذلك مطالبة برعاية الطفلات ذوات الإعاقة خصوصا في فترات المراهقة التي يمكن استغلالها من طرف بعض الوحوش شكرا لكم أستاذي سيدي عبد المالك على إثارة هذا الموضوع ، نتمنى تدخل الجهات المسؤولة في هذه القضية