المغرب العميق

رحلة ولادة على حافة الموت.. معاناة شابة حامل بين الجبال تكشف أعطاب الاستعجال الصحي بإقليم ورزازات

لم تكن الشابة الحامل حليمة التي تنحدر من دوار إشباكن بجماعة إمي نولاون، تعلم أن أيامها الأخيرة من الحمل ستتحول إلى رحلة قاسية تختبر فيها حدود الإنسانية قبل أن تختبر جاهزية المنظومة الصحية، وسط البرد القارس وصمت الجبال بإقليم ورزازات، وتحديدا بمنطقة إمغران، حيث كادت فصول قصة مؤلمة أن تنتهي بمأساة حقيقية.

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن زوج المعنية كان قد تركها لدى أحد أفراد عائلتها بجماعة سكورة، قبل أن تشد رحالها مشيا على الأقدام نحو جماعة إمي نولاون، في ظروف مناخية صعبة، من أجل استرجاع ملفها الطبي الذي كان بحوزة زوجها. وخلال هذه الرحلة الشاقة، قطعت الشابة مسافة تفوق 20 كيلومترا، قبل أن ينقطع الاتصال بها، ما أدخل عائلتها في حالة من القلق والترقب.

وأمام غياب أي أخبار عن الحامل البالغة من العمر 23 سنة، جرى إشعار مصالح الدرك الملكي بإمغران، ليتم إطلاق عملية بحث بمشاركة السلطات المحلية وعدد من المتطوعين. وبفضل مجهودات هؤلاء، تم العثور على الشابة بمنطقة تمزريت، الواقعة تحت نفوذ جماعة إمي نولاون، في وضعية صحية حرجة، وقد بدت عليها علامات الإعياء الشديد.

وخلال هذه المرحلة، تدخل عمال إحدى شركات الطرق، حيث بادروا إلى نقلها على وجه السرعة نحو دار الأمومة المتواجدة على مشارف توندوت، بعدما بدأت مؤشرات المخاض في الظهور. غير أن حالتها استدعت إعادة توجيهها إلى المستوصف الصحي بتوندوت، من أجل التكفل الطبي اللازم بها.

لكن ما كان يُفترض أن يكون محطة أمان لامرأة في وضع ولادة، تحوّل إلى صدمة قاسية، بعدما قوبلت بالرفض من طرف الأطر التمريضية، بدعوى عدم توفرها على ملفها الطبي، وعدم انتمائها الترابي لجماعة توندوت، حيث طُلب منها التوجه إلى المركز الصحي بورمان، الذي يبعد بأزيد من 20 كيلومترا، في قرار يؤكد الاستخفاف الخطير بحياة امرأة وجنينها.

وانتهت فصول رحلة الألم، بعدما جرى نقل الشابة إلى المركز الصحي بورمان، حيث تم التكفل بها، وتمكنت من وضع مولودها في ظروف صحية جيدة، بعد ساعات من المعاناة والتنقل القسري بين عدد من المؤسسات الصحية بالمنطقة سالفة الذكر.

وفي اتصال هاتفي مع جريدة “العمق المغربي”، أكد والد المعنية بالأمر أن حالة ابنته مستقرة، وأنها وضعت مولودها بنجاح بالمركز الصحي بورمان، مشيدا بحسن الاستقبال والمعاملة المهنية التي لقيتها من طرف الأطر الصحية هناك، ومؤكدا أن ابنته لا تزال تخضع للمراقبة الطبية.

من جهتها، عبّرت فعاليات مدنية وحقوقية بالمنطقة عن استنكارها الشديد لتكرار مثل هذه الممارسات، مطالبة بضرورة معالجة الاختلالات التي تعاني منها المنظومة الصحية بالمناطق القروية، والتأكيد على تغليب البعد الإنساني والمهني في التعامل مع الحالات الاستعجالية، بعيدا عن منطق “الانتماء الترابي”، تفاديا لتكرار سيناريوهات قد تكون عواقبها أكثر مأساوية.

واعتبرت الفعاليات المذكورة، أن رفض إستقبال هذه السيدة، أعاد إلى واجهة النقاش تساؤلات حارقة حول معنى الاستعجال الطبي في المناطق القروية، وحدود التقسيم الترابي حين يتعلق الأمر بالحق في العلاج، وحول ما إذا كانت مثل هذه الحالات قد تندرج ضمن عدم تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر.

من جهة أخرى، حاولت جريدة “العمق المغربي” الاتصال بمولاي السهيد، المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الإجتماعية بورزازات، من أجل أخد رأيه بخصوص هذا الموضوع، إلا أن هاتفه ظل يرن، دون جواب لأكثر من مرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *