ساكنة الجبل تستغيث فهل من مغيث ؟
في كل شتاء، ومع أولى زخّات الثلج، لا تعود الأسئلة لتطرق الأبواب فقط، بل تفضح ضميرا عاما اعتاد الصمت… هل كتب على ساكنة الجبال أن تستغيث كل عام ؟ أم كتب علينا أن نتقن السماع دون أي فعل ؟
الجبال في مغربنا ليست لوحة تعلّق في الربورتاجات ولا خلفية لصور السياحة الموسمية… الجبال مجال عيش مهمَل، وفضاء مواطنة منقوصة، ومختبر سنوي لفشل السياسة الحكومية و فقدان رؤية تنموية مجالية. هنا يعيش أناس حقيقيون، أطفال يغامرون بأرواحهم للوصول إلى مدارس بلا تدفئة ولا نقل قار، ومرضى يساومون الثلج على حقهم في الحياة، وشيوخ يحاصرهم البرد والعزلة حين تغلق الطرق… و تغلق معها أبواب المسؤولية.
ساكنة الجبال تستغيث من عزلة مصنوعة، لا من طبيعة قاسية فقط… تستغيث من طرق ما تزال تشبه المسالك، لأن الطريق حين لا تعبد ليست طريقا، بل شكلا آخر من أشكال الإقصاء…
تستغيث من انقطاعات كهرباء تفضح هشاشة الشبكات، ومن صحة غائبة إلا في البلاغات، ومن نقل مدرسي يقدم كصدقة لا كحق، ومن خدمات عمومية تتبخر كلما انخفضت درجات الحرارة.
والمهزلة أن هذا كله لم يعد استثناء ولا ظرفا طارئا، بل صار نظاما موسميا لحكومة البؤس, صور تلتقط… قوافل تصور… زيارات تبرمج، وعود توزع… ثم يطوى الملف إلى الشتاء المقبل…. هكذا يدبر عندهم الجبل, بالاستعجال بدل التخطيط، وبالعاطفة بدل السياسة، وبالبلاغ بدل المحاسبة.
ساكنة الجبال لا تطلب صدقات، ولا تبحث عن شفقة، بل تطالب بحقوق يفترض أنها محسومة منذ عقود:
الحق في طرق سالكة لا تُقطع مع أول اختبار…
الحق في صحة لا تُقاس بسرعة سيارة إسعاف بل بقرب المستشفى وتجهيزاته…
الحق في مدرسة السبيل إليها لا يكون مغامرة يومية…
الحق في تنمية لا تُؤجَّل كل سنة إلى أجل غير مسمى…
و السؤال الحقيقي اليوم عندنا نحن أبناء الجبل ليس هل ستتساقط الثلوج ؟ بل إلى متى ستتساقط معها المسؤولية ؟ وإلى متى سيبقى الجبل خارج خريطة القرار؟ و السياسة الحكومية؟
إنصاف المجال الجبلي لا يكون بحملات إغاثة، بل بكسر منطق الهامش… و لا يكون بزيارات موسمية، بل بسياسات شجاعة، وميزانيات منصفة، وربط واضح للمسؤولية بالمحاسبة. لأن الجبل ليس عبئًا على الدولة، بل اختبار دائم لصدقها.
ساكنة الجبال تستغيث فهل من مغيث؟
تستغيث… لا لتُدرج في أرشيف التعاطف، بل لتُفرض على جدول القرار, فالكرامة لا تؤجل، والحق لا يثلج، والجبل لن ينتظر إلى الأبد, لأن الجبل ليس هامشا للوطن، بل جزء من قلبه، وكرامة ساكنيه ليست مطلبا موسميا، بل واجب دائم.
اترك تعليقاً