منتدى العمق

القانون والعدالة: المسافة المسكوت عنها

يُستحضر القانون، في المخيال العام، بوصفه تجسيدا للعدالة أو طريقا طبيعيا إليها. وقد عزز هذا التصور إرث فلسفي ودستوري عريق، لعل أشهر تعبيراته ما صاغه جان جاك روسو حين جعل من القانون ترجمة للإرادة العامة. غير أن هذا التصور، على ما ينطوي عليه من طمأنينة أخلاقية، يخفي حقيقة أكثر تعقيدا: فالقانون لا يولد من فكرة العدالة بقدر ما يتشكل من انتصار منطق معين داخل لحظة تاريخية محددة، يتحول هذا الانتصار، بفعل السلطة، إلى قاعدة عامة ملزمة.

فالتشريع ليس فعلا محايدا، ولا نتاج توافق قيمي خالص، بل حصيلة صراع بين تصورات مختلفة للمجتمع، والسلطة، والمصلحة، والنظام. وما يستقر في صورة قانون ليس بالضرورة الخيار “الأعدل”، بل الخيار الذي نجح في فرض نفسه، سواء بقوة الحجة، أو بميزان القوة، أو تحت ذريعة الضرورة والاستقرار. وهكذا يغدو القانون ترجمة معيارية لأطروحة الغلبة.

غير أن الأثر الأعمق لهذا المنطق لا يتجلى فقط في لحظة سن القانون، بل في الدور الذي يؤديه داخل شبكة السلطة. وهنا يكتسب طرح مشيل فوكو أهمية مركزية، فلا يفهم بوصفه قاعدة آمرة أو تعبيرا عن سيادة، بل كعنصر ضمن منظومة أوسع من آليات الضبط والانضباط. فالقانون، وفق هذا المنظور، لا يعمل بمعزل عن السلطة، بل يتقاطع معها، ويشتغل إلى جانب تقنيات أخرى ( المراقبة، التطبيع، التصنيف..) لإنتاج سلوكيات منضبطة وفق قالب نظامي مُحكم.

وبهذا المعنى، لا يقتصر القانون على تحديد ما هو مشروع أو محظور، بل يساهم في تشكيل ما يعد طبيعيا، مقبولا، أو منحرفا داخل المجتمع، أو داخل المجال التنظيمي الذي يستهدفه. ومن ثمّ، لا تكون وظيفته محايدة، بل منسجمة مع المنطق الذي تأسس عليه، وخادمة لاستمراره. فالقانون لا يلغي علاقات القوة، بل يعيد تنظيميها، ويمنحها شكلا مشروعا ومستقرا.

فإذا صيغ القانون بمنطق الردع، أدى وظيفة تشديد السيطرة على الأفراد أكثر مما عزز الحريات. وإذا تأسس على منطق المنفعة، أعاد ترتيب الحقوق والواجبات وفق معايير النجاعة. أما إذا بُني على منطق الاستقرار، فقد يُقايض العدالة الاجتماعية بالهدوء العام. في كل هذه الحالات، لا يكون القانون مجرد إطار تنظيمي، بل أداة فعالة لترسيخ رؤية محددة، وإنتاج “ذاتية” قانونية منسجمة معها.

ومن هنا تتبدى المفارقة التي نبهت إليها فسلفة القانون الحديثة، خصوصا عند هانس كلسن، حين فُصل بين القاعدة القانونية وقيمتها الأخلاقية. فقد يكون القانون متماسكا في منطقه، منسجما في بنيته، وفعالا في أداء وظيفته، ومع ذلك يظل بعيدا عن العدالة. فالانسجام الداخلي لا يعني الإنصاف، والفعالية الوظيفية، في ذاتها، لا تمنح قيمة أخلاقية.

إن اختزال النقاش في احترام القانون أو الامتثال له يُغفل السؤال الجوهري: أي وظيفة يؤدي هذا القانون داخل منظومة السلطة؟ ولصالح أي منطق يشتغل؟ فالعدالة لا تُختبر فقط في وجود القاعدة، بل في مضمونها، وفي الأفق الذي تخدمه، وفي قدرتها على تفكيك علاقات الهيمنة بدل إعادة إنتاجها.

لذلك، فإن استعادة سؤال العدالة تقتضي النظر إلى القانون لا بوصفه معطى نهائيا، بل كاختيار تاريخي قابل للنقد والمراجعة. فالقانون لا يكون عادلا لأنه قائم، بل يُفترض أن يقوم لأنه يخدم غاية عادلة.

فالعدالة لا تُقاس بما ينجح القانون في تنظيمه، بل بما يعجز عن تبرير استمراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *