مؤامرة الكان، مؤامرة عابرة أم سيرورة مستمرة؟

يرفض عددا من المغاربة فكرة المؤامرة، ويعتبرون أن ما حدث خلال كان 2025، خاصة خلال مباراة النهائي، لم يكن سوى تجلٍّ لانفعالات رياضية عابرة، كان هدفها أساسا كسب رهان رياضي قاري، ومن الطبيعي أن يتفاعل معها الرأي العام بما يحمله من خلفيات متباينة ووجدان تشكّل بفعل الاعتقاد المسبق برهان الحسم في الفوز بكأس إفريقيا، فهي ليست سوى مؤامرة رياضية عابرة، سرعان ما سينقشع ضبابها. هذا الاعتقاد ساذج في جوهره، بل إن المغرب كان يواجه مؤامرة محبوكة، ولكشف خيوطها علينا بداية أن نؤكد أن التآمر على المغرب ومصالحه ليس وليد الحال، بل هو نهج تبنته بعض الدول منذ سنوات، فقد حاولت قوى معينة دوما استهداف المغرب ومصالحه عبر مختلف الطرق والوسائل. وليس بعيدا عن هذا السياق تصريح أحد المسؤولين في إحدى الدول بأن بلاده قدمت مليار دولار لمنع شركة رونو الفرنسية من الاستثمار في المغرب، كما عبّرت أصوات عدة عن لجوء بعض الأطراف إلى الرشوة لمنع تحوّل مواقف دولية لصالح المغرب وقضية وحدته الترابية. لكن ظل الاعتقاد بأن هذه المؤامرات يمكن مواجهتها عبر تحقيق تلك النتائج المراد منع تحقيقها، فقد واصل المغرب إنارة مشعله الدبلوماسي والتنموي في الآفاق وبسرعة لم يكن الخصوم قادرين على مواكبتها بوسائل التآمر الكلاسيكية القائمة على الرشوة واستهداف الرموز الوطنية وتوجيه الرأي العام داخل تلك الدول. أي يمكن الحديث عن مؤامرة مغلقة، لكنها ظلت عاجزة عن كسر سلسلة النجاحات الدبلوماسية والاقتصادية المتسارعة التي بات يحققها المغرب. لكن ماذا تغير بين الأمس واليوم؟ هل الأحداث التي رافقت نهائي الكان نتيجة أم وسيلة كاشفة لحجم التآمر القذر الذي بات يتعرض له المغرب كبلد والمغاربة كشعب؟
والحال أن اللحظة التي كان فيها المغاربة يستقبلون الفرق الإفريقية بالحليب والتمر، وينخرطون في عنفوان مباريات كرة القدم بكل روح رياضية وأخوة صادقة وعفوية ساذجة، لم يكن أحد عند تلك اللحظة على دراية بأن خلف الكواليس كانت تُحاك مؤامرة خطيرة ضد المغرب ومصالحه، تم فيها ابتكار أساليب جديدة وقوية لخلق تأثير قوي. وهي مؤامرة محبوكة بشدة لا يمكن أن تنم إلا عن عمل استخباراتي كثيف ودقيق، منسق وواسع النطاق، لم يكن هدفه فقط عرقلة المنتخب المغربي من التتويج بكأس أمم إفريقيا، ولا ضرب مصداقية المغرب وشرعيته في تنظيم كأس العالم سنة 2030، بل كذلك الهدف الأساسي ضرب مصالحه الاستراتيجية الإقليمية والدولية، عبر خلق توترات ضاغطة ومؤثرة بين المغاربة والأفارقة من جنوب الصحراء. وهو استثمار مخطط له هدفه تشكيل رأي عام إفريقي موجه ضد المصالح العليا للمغرب والنيل من إنجازات المغرب. كان المغاربة يعتقدون في شعورهم أن الأمر لا يكاد يعدو جحودا بما أبدوه من كرم وحسن الاستقبال والتنظيم العالي الذي يتماشى مع المعايير الدولية، بل ويتعداها، ولم يكن الأمر يتطلب أكثر من جدل رياضي حول أحداث تقنية ترتبط أساسا بالسلوك الرياضي للفريق الخصم وللاعبين المغاربة، من قبيل انسحاب فريق السنغال، وتضييع ضربة الجزاء، وحتى بعض المشاكسات الجماهيرية التي وقعت داخل الملعب، وأبعاد ذلك وفق القانون الرياضي. غير أن المغاربة استيقظوا على أصداء هجمات قادمة من كل حدب وصوب، تتجاوز بكثير حدود المسائل التقنية، لدرجة أن المغاربة تساءلوا بغرابة عن العلاقة بين الرياضة والمنشورات المحرضة التي تستهدف المغرب والمغاربة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وحتى جيوسياسيا. ومن دون شك انخرط المغاربة بعفوية في التصدي لهذه الهجمات المغرضة. لكن ما لم يستوعبه جلهم حينها أن بعض الأطراف استثمرت بقوة في هذا المشروع، ووسعته، واستوعبت فيه عناصر عديدة من جنسيات مختلفة، ولم يعد مغلقا كلاسيكيا، بل أصبح مفتوحا لتوجيه رأي عام واسع ضد مصالح المغرب، وإن من داخل دول صديقة وحليفة له.
إن ملامح هذا المشروع انطلقت مع بداية سنة 2025، حيث كان يتم الترويج لمنشورات مناهضة للأفارقة جنوب الصحراء في المغرب، وأفكار نظرية The Great Replacement Theory، بالإضافة إلى استهداف مواقع مغربية مثل صندوق الضمان الاجتماعي ووزارة العدل. غير أن هذا المشروع سيتوقف مؤقتا في خضم احتجاجات جيل زيد، وربما كان الرهان على حدوث انفلاتات أمنية تخدم الأغراض المراد تحقيقها. لكن مع انتهاء الاحتجاجات واستجابة الحكومة لبعض المطالب، وإدانة ممثلي المحتجين لبعض مظاهر العنف التي شابت تلك الاحتجاجات، خاب ظن هؤلاء. فما كان إلا أن تمت إعادة هندسة المشروع وتغذيته، وبينما كان المغرب منشغلا بتنظيم الكان، كان هؤلاء يضعون اللمسات الأخيرة على مشروعهم، حيث شُكّلت صفحات ومجموعات عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وتم تجنيد عناصر متعددة لتقاسم منشورات تشكك في مصداقية تنظيم المغرب للكان. ولم يكن هذا السلوك هو الهدف في حد ذاته، بل كان مدخلا لاستغلال كرة القدم، التي باتت تتملك وجدان وشعور الإنسان الإفريقي، من أجل خلق مواقف مضادة للمغرب وتشويه سمعته.
لقد لجأت هذه الأطراف إلى أسلوب وظيفي جديد يمكن تسميته بتشكيل الموقف الداخلي، وهو تحول جذري في أسلوب الاستهداف، عبر خلق حسابات افتراضية، لكن هذه المرة تقدم نفسها على أنها مغربية، يتم فيها الإشادة بالرموز الوطنية وترديد منشورات الفخر والاعتزاز بالمغرب والمنتخب المغربي، وفي الوقت نفسه مهاجمة الأفارقة من جنوب الصحراء. وفي الجهة المقابلة، أُنشئت حسابات مضادة هدفها فقط خلق نقاش مضاد، لكن بطغمة عنصرية تنفث السموم وتسعى جاهدة إلى بث الفتنة بين المغرب وأشقائه، خاصة مصر ومالي والسنغال ونيجيريا. ومع وصول السنغال إلى المباراة النهائية، كان هذا المشروع قد ازداد قوة، وجنّد عددا هائلا من المنخرطين والحسابات الموجهة ضد المغرب. ويبدو واضحا أن أصحاب هذه الصفحات والتعليقات والمنشورات لا يحملون في حساباتهم أي تراكم في المعطيات (منشورات، مناسبات…) يعكس تطورا في مواقفهم، أو على الأقل وجود نسق سيكولوجي يمكن من خلاله تحديد هوية هؤلاء، بل إن مجمل هذه الحسابات حديثة النشأة، ولا تتضمن أي معلومات تُذكر سوى الاسم والصورة المزيفتين.
لا شك أن بعض العناصر من دول إفريقيا جنوب الصحراء جرى تجنيدهم لخدمة هذا المشروع الذي بدأت خيوطه تتكشف، وهو بلا شك مشروع ضخم وعابر للحدود، تشترك فيه أكثر من دولة، ويتقن وسائل الدعاية الحديثة وأخرى مبتكرة قياسا بما كان عليه في السابق. وعلى ما يبدو فإن رهانات هذا المشروع وأهدافه متعددة، منها ضرب المصالح العليا للمغرب، ومنع أي فرصة أمام شعوب بعض الدول لخلق نقاش حول سبب هذا التطور والازدهار الذي يشهده المغرب وقوته التنظيمية وعلاقاته القوية، بالرغم من أنه بلد يفتقر إلى الموارد الحيوية كما هو الحال في بلدانهم. وكان واضحا أن هذا الإشكال قد يضع قيادات هذه الدول أمام مساءلة عسيرة، خاصة وأن هذه الدول استفادت من ثروات طائلة إبان السنوات السابقة لم تنعكس على الوضع التنموي ولا على القوة التنظيمية لتلك البلدان. لذلك جرى تسويق مواضيع سطحية لتأجيج وتوجيه هؤلاء، باعتبار المغرب بلدا فاسدا يشتري الحكام، وأن خسارة المنتخبات الإفريقية الأخرى ليست سوى نتيجة لتواطؤ منظم. كما رُوّجت أطروحات تزعم أن شخصيات رياضية مغربية نافذة قادت مؤامرة متكاملة لتمكين المنتخب المغربي من الفوز بكأس أمم إفريقيا، وأن مسؤولين رياضيين في المنتظم الإفريقي يخضعون لنفوذ المغرب وتوجيهه، وأن كل ذلك ناتج عن فساد يهدد مستقبل القارة ويحرم منتخباتها من التتويج. وتم التعبير عن ذلك عبر ملصقات رقمية يرتدي فيها الحكام لباس الفريق الوطني المغربي كدلالة على فسادهم لصالح المغرب، وخرائط ملغمة تقدم أن كل الدول الإفريقية تدعم السنغال في مقابل المغرب. ومع الوقت ظهرت نقطة عبور أخرى تتجاوز كرة القدم إلى تصوير المغرب كوكيل استعماري لفرنسا، واتهام المغاربة بالادعاء بأن بلدهم جزء من أوروبا، وأنهم ينهجون العنصرية تجاه الأفارقة من جنوب الصحراء. حيث تم تلفيق فيديوهات قديمة للمغاربة وتزييف أخرى، وأن ذلك يتجسد أساسا في سعي المغاربة إلى كره كل ما هو إفريقي. وتمت مواكبة ذلك بصور ومنشورات وملصقات لشخصيات رياضية وسياسية عالمية ترى أن المكانة التي تليق بالمغرب والمغاربة هي أوروبا، وأن إفريقيا قارة متخلفة لم تستوعب بعد التقدم الذي أحرزه المغرب.
وتطور الوضع إلى مناقشة مصالح المغرب في القارة بمنطق أكاديمي ظاهري هدفه التشكيك في شرعية هذه المصالح ونجاعتها بالنسبة لدولهم، ويقدم هؤلاء أنفسهم على أنهم طلبة من جنوب الصحراء درسوا في المغرب واكتشفوا الوضع عن قرب وعبر التجربة التي لا تدع مجالا للشك في أن ما يتم الترويج له صحيح. غير أن القضية المركزية التي حاول هؤلاء توظيفها، ولا يزالون، هي العنصرية. إذ انتشرت حسابات وهمية تروّج منشورات منسوبة للمغاربة تتضمن شعارات مسيئة تجاه الأفارقة من جنوب الصحراء، وعلى رأسها دعوات إلى طردهم. ولإسناد هذا التوجه، جرى إحياء صور ومقتطفات تاريخية تتحدث عن العبودية ونسبها لتاريخ المغاربة. ورغم تنبّه المغاربة إلى هذا الفخ الذي نُصب لهم بعناية، فإن بعضهم، خاصة من فئة الشباب، وقع فيه دون وعي أو قصد، وهو أحد أخطر تجليات هذه المؤامرة في استغلال وعي الشباب وعواطفهم في توسيع مجالات الاستهداف وترسيخها. ومن بين التوظيفات التي جرى اللجوء إليها كذلك تصريح المؤرخ المغربي عبد الله العروي القائل بأن المغرب جزيرة، ويجب على المغاربة أن يفكروا كسكان الجزر، حيث جرى تحوير هذا القول سياسيا لإظهار توافق مزعوم بين وجدان الشعب المغربي وفكر النخبة، وتسويق أن تعالي المغرب عن باقي الشعوب الإفريقية هو تعالٍ منسجم بين مختلف مكونات المجتمع المغربي. وأن التصدي لهذا التعالي لن يمر إلا عبر فوز بلد إفريقي على المغرب، ولو رياضيا، والتصدي لكل مساعي المغرب في استلاب القارة الإفريقية، وهو ما يكافئ سردية رمزية في الشعور القومي للشعوب الإفريقية لا تقل أهمية عن سردية طرد فرنسا.
فالمغرب إذن بلد أجنبي، والمغاربة شعب لا يعتبر نفسه إفريقيا. فمن خلال خلق الشك في المصداقية الرياضية للمغرب سيسهل خلق الشك في علاقاته ومصالحه بالقارة الإفريقية، وبالتالي الريبة من كل ما هو مغربي.
لقد كانت هذه هي السردية التي تجلت في هذه المؤامرة، ولكن لا يمكن تبرير حقيقة أخرى، وهي أن المغرب لم يكن في مستوى هذا الخطر. فقد أصبح واضحا أن الأمر يتعلق بقوة كبيرة استُثمر فيها بشكل واسع لتهديد مصالح المغرب، وأن حجم التهديد بلغ مستوى كبيرا، مستوى يتطلب وقتا للتحليل والفهم في ظل الوسائل المتوفرة. وهذا ما انبرت عنه ردود فعل المغرب التي تطلبت وقتا، سواء الرسمية أو غير الرسمية، لأننا لم نستوعب حينها أن الأمر لا يتعلق بصراع افتراضي بين صفحات تُدار فيها أعمال شغب رقمية بين مدافع ومهاجم، ولا بفضاء ترفيهي يملأ الفراغ، بل أصبح فضاء مدمرا وصانعا للقوة، تُدار عبره حروب كبيرة وفتاكة.
ومن يُغمض عينيه عن هذه الحرب سيجد نفسه، دون شك، في مواجهة نتائجها المدمرة، كما حدث تماما في نهائي الكان وما تلاه. وإن كانت الحكمة التي تعامل بها المغرب، ولو بشكل متأخر، قد حدت من هذا التأثير، فإنه يبقى من الواجب الحفاظ على الوعي والحذر بأن جذور التآمر على المغرب ومصالحه طويلة، وأن خصوم المغرب لا يتوانون في بذل كل الجهود لاستهداف المغرب ومصالحه العليا وتشويه سمعته، وإن كان ذلك على حساب التنمية في تلك البلدان الغارقة في الثروات الطبيعية من جهة، والغارقة في القحط التنموي من جهة أخرى. وبعدما فشلت في منافسة المغرب وتساقطت الشعارات التي أريد بها تنويم شعوبها، أصبح السبيل هو إعاقة مسار التطور والازدهار الذي يشهده المغرب، والذي جعل العالم كله يشيد بالبنية التحتية المغربية خلال تنظيم كان 2026، وهو ما قد يربك حسابات الأنظمة في هذه الدول ويضعها موضع مساءلة حقيقية.
اترك تعليقاً