منتدى العمق

​تيزي نتشكا.. حين يكسرُ كرمُ البسطاء حصارَ الثلج ويُدفئ قلوبَ العابرين

كنزة لعليليس

​في منعرجات “تيزي نتشكا” الوعرة، ذلك الممر الشاهق في الأطلس الكبير الذي يربط بين مراكش وورزازات على ارتفاع يتجاوز 2205 متر، وحين يقرر شبح الثلج أن يوقف عقارب الزمن ويحجز الحافلات في جوف الجبل، تظهر صورة أخرى للمغرب العميق، صورة تكتب بالخبز الساخن وكؤوس الشاي التي تقدم للمسافرين وسط زمهرير الليل.

​صدى صوت الثلج وصمت الانتظار

​تتوقف الحافلة، ينطفئ المحرك، ويتسلل البرد القارس عبر النوافذ ليجمد الأطراف، في تلك اللحظة، يشعر المسافر بالبرد وأطراف متجمدة، لكن وسط ذلك السكون الأبيض، تلمع أضواء خافتة تقترب من بعيد، إنهم أهل الدواوير القريبة ، الذين لم تمنعهم العاصفة ولا برودة الطقس من القيام بواجب الضيافة التي تسكن جيناتهم.

​أيادٍ خشنة بقلوب من حرير

​يأتي أبناء الدواوير المجاورة وسط الضباب، محملين بـ “مجامر العواد” المشتعلة التي يضعونها تحت الحافلات وبجانب الأبواب لتنبعث الحرارة في الأجساد المرتجفة، تراهم يحملون “صواني الشاي المشحر” الذي يغلي فوق الحطب، وقطع الخبز الدافئ الخارج للتو من أفران الطين ، يوزعونها على المسافرين بابتسامة صادقة وكلمة مرحبا “انسوف ⴰⵏⵙⵓⴼ”، لتتحول المحنة إلى ملحمة إنسانية تتببت أن صخور الأطلس الصماء تسكنها أرواح لينة صقلتها العزلة فجعلتها أكثر صفاء.

بين النفق المنشود والدفء المعهود

يغادر المسافرون “تيشكا” وهم يحملون في ذاكرتهم طعم الشاي وصكّ أمانٍ نفسيّ بأن قيم (التعاون) لا تزال حية. ومع هذا الود، تظل هناك أمنية جماعية تلوح في الأفق، أن يرى “نفق تيشكا” النور يوماً ما، ليضع حداً لمعاناة المسافرين ويحمي العابرين من تقلبات المناخ الغادرة.

إن التطلع إلى النفق ليس دعوة لإلغاء روح الكرم، بل هو نداء لجعل المنطقة قطباً للتنمية المستدامة؛ نفق يحمي الأرواح، ويفتح في الوقت ذاته آفاقاً للسياحة الجبلية والتجارة المحلية، ليكون سكان هذه القمم شركاء في الازدهار، لا فقط منقذين في الأزمات.

رسالة من عاشقة القرى

إلى أولئك الأبطال المجهولين في قمم الأطلس، شكراً لأنكم كنت دائماً الدفء في ليالينا الباردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Anass
    منذ 8 أشهر

    مقال رائع جدا عن المنسيون