منتدى العمق

لماذا يزعج النجاح محيطنا؟

يحتل النجاح موقعًا رمزيًا يكشف طبيعة الثقافة السياسية السائدة، ويفضح آليات الدفاع التي تتبناها المجتمعات عند مواجهة نموذج متفوق داخل مجالها الحضاري القريب.

في مجتمعات الشمال التي راكمت تجربة طويلة مع الدولة الحديثة، يرتبط النجاح بمنطق الاستحقاق. التفوق نتيجة مباشرة لتراكم المعرفة، وانضباط المؤسسات، واستمرارية السياسات العامة. هذا الارتباط يحوّل النجاح إلى قيمة طبيعية داخل المجال العام، قابلة للفحص، للنقد، والتكرار. الفرد الناجح أو الدولة المتقدمة يتحولان إلى مرجع، وتصبح تجربتهما مادة للنقاش والتحليل، وليس مصدرًا للريبة أو العداء. المقارنة تتحول إلى أداة لتشخيص الخلل ورافعة لإعادة توزيع الجهد والموارد.

على النقيض، تشكّلت في مجتمعات واسعة من الجنوب ثقافة سياسية مضادة لفكرة التمايز. هذه الثقافة نشأت ضمن معطيات تاريخية اتسمت بضعف الدولة، وهشاشة المؤسسات، وسيطرة الخطاب التبريري على المجال العام. وفق هذه المعطيات، يتحوّل الفشل إلى حالة جماعية مريحة، لأنه يلغي الحاجة إلى مساءلة أحد، ويحوّل العجز إلى قدر مشترك. وأي خروج عن هذا النسق يمثل تهديدًا مباشرًا ويفضح هشاشة حالة التطبيع مع التعثر.

حينما ينجح نموذج قريب داخل المحيط نفسه، يطرح سؤالًا ضمنيًا عن أسباب الفارق بين التجارب. هذا السؤال يهزّ الشرعية التي بنتها الخطابات القائمة على تبرير الإخفاق، ويكشف هشاشة التبريرات السابقة. بدلاً من استثمار هذه المقارنة لتطوير الأداء، تتحول طاقة الجماعة إلى محاولات تحييد النموذج الناجح، عبر التضخيم الإعلامي والرمزي، لإخفاء الفرق وحماية الخطاب الرسمي من المساءلة.

تلعب الدعاية السياسية والإعلام التعبوي دورًا محوريًا في هذا المسار. الخطاب المهيمن يعيد تأطير النجاح الخارجي كتهديد أو استفزاز، ويضخم النوايا، ويختزل الوقائع في سرديات صراعية. بهكذا طريقة، ينقل الإحباط الاجتماعي من الداخل إلى الخارج، وتفريغه في شكل عداء رمزي، محققًا وظيفة مزدوجة: حماية الخطاب الرسمي من المساءلة، وتوفير متنفس نفسي للجمهور.

بعض الأفراد يتصرفون بردود فعل عدائية رمزية تجاه النموذج الناجح القريب، كطريقة للتعامل مع صدمة الإدراك أمام الإنجاز والتفوق. كل هذه السلوكيات تعبّر عن صعوبة تحويل إدراك الفارق إلى سؤال نقدي أو مبادرة إصلاحية، لتتحوّل طاقة الاستجابة إلى مهاجمة الرمز الناجح بدلاً من معالجة الأسباب الداخلية للتخلف أو الإخفاق.

المفارقة أن هذه السلوكيات تحمل اعترافًا ضمنيًا بقيمة ما يُستهدف. الغضب يُوجّه نحو ما يمثل فرقًا نوعيًا، غير أن البنية الذهنية المأزومة تعجز عن استثمار هذا الاعتراف في مسار نقدي، فتستبدله بسلوك هدمي يحقق إشباعًا نفسيًا آنياً ويمنع انتقال السؤال إلى مستوى أعمق.

الخوف الحقيقي ينبع من المقارنة. لأن هذه الأخيرة تكشف الفوارق، والفوارق تهزّ السرديات التي تقوم على تمجيد الذات دون إنجاز. لذلك يتحول تعطيل المقارنة إلى هدف مركزي. كل تفوق يجب تحييده، وكل نجاح يشوه، حتى يستمر التماثل في الإخفاق، ويستمر الشعور الزائف بالتكافؤ.

ووفق هذا المنطق، يتحول النجاح إلى خروج عن الصف. من يتقدم يُكسِّر الإجماع غير المعلن على البقاء في المستوى نفسه. هذا الكسر يهزّ البنية الجماعية، لأنه يثبت أن التقدم خيار واقعي، لا استثناء نادر. لذلك تتشكل جبهة واسعة، رسمية وشعبية، تعمل على إعادة الجميع إلى النقطة نفسها، حفاظًا على استقرار وهمي يقوم على تعطيل السؤال بدل الإجابة عنه.

الفرق بين ثقافتين يظهر بوضوح. ثقافة تجعل من التميز فرصة لتوسيع الأفق الجماعي، وتعتبر التفوق مورداً رمزياً ومعرفيًا. ثقافة أخرى ترى في التمايز تهديدًا لتماسكها الداخلي، وتعامل النجاح كخلل يجب إصلاحه عبر الإقصاء أو التشويه. الأولى تراكم الخبرة وتفتح المجال أمام دينامية إصلاح مستمرة، والثانية تعيد إنتاج العجز عبر آليات دفاعية مغلقة.

التجربة المغربية وضعت هذا التناقض في الواجهة، لأنها قدمت نموذجًا قريبًا جغرافيًا وثقافيًا. القرب عامل حاسم، لأن النموذج البعيد يمكن تجاهله، أما النموذج القريب فيصعب إنكاره. لذلك جاءت ردود الفعل محمّلة بشحنة انفعالية عالية، تعكس أزمة داخلية أكثر مما تعكس موقفًا موضوعيًا.

العلاقة المتوترة مع النجاح تكشف تصورين متعارضين للكرامة والشرعية. في فضاءات ناضجة، تُبنى الكرامة عبر الإنجاز، وتستمد الشرعية من القدرة على التطور ومواجهة التحديات. في فضاءات مأزومة، تُربط الكرامة بالتماثل، وتقوم الشرعية على تعطيل المقارنة ومنع السؤال. استمرار هذا المنطق يجعل التفوق فعلًا مقلقًا، لأنه يثبت ببساطة أن التقدم ممكن، وأن البقاء في الخلف خيار ثقافي قبل أن يتحوّل إلى قدر تاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *