السباق نحو المقعد الإفريقي الدائم في مجلس الأمن: أفق الدبلوماسية المغربية في إفريقيا المتحوّلة
تعيش المنظومة الدولية تحولات عميقة تُعيد صياغة موازين القوة ومفاهيم الشرعية والتمثيل. الواقع الدولي يشهد تراجع الأحادية القطبية لصالح تعددية معقدة، ما يفرض مراجعة القواعد التي وُضعت عقب الحرب العالمية الثانية. وسط هذه التحولات يبرز سؤال الإنصاف في تمثيل القارات داخل مؤسسات القرار الأممي، إذ ما تزال إفريقيا، رغم ثقلها الديمغرافي والاقتصادي، القارة الوحيدة التي لا تمتلك مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن. هذا الغياب يعكس خللًا في ميزان السلطة داخل الأمم المتحدة ويؤكّد استمرار نظرة قديمة تُقصي الجنوب من دوائر القرار العالمي. تحوّل مطلب القارة بمقعد دائم إلى رمز لاستعادة الكرامة السياسية الإفريقية قبل أن يتحوّل إلى مسألة تقنية في بنية المجلس.
المغرب يتقدّم كفاعل إفريقي ذو خصوصية استراتيجية، إذ يربط بين إفريقيا وأوروبا والأطلسي ويتمتّع بثقل سياسي واقتصادي، كما أظهرت تجربته الدبلوماسية قدرة نادرة على الجمع بين الواقعية والهدوء والحضور الفاعل في القضايا الإفريقية. السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى يستطيع المغرب أن يتحوّل إلى المرشح الطبيعي للقارة الإفريقية لمقعد دائم في مجلس الأمن؟ وما الذي يمنحه هذا الأفق في ظل تحركات متسارعة وتغير مستمر لموازين الشرعية الدولية؟
منذ تأسيس الأمم المتحدة سنة 1945 ظلّ مجلس الأمن انعكاسًا لموازين القوى التي أعقبت الحرب الثانية، حين كانت القارة الإفريقية بأكملها تقريبًا تحت الاستعمار. تأسست عضويته الدائمة على خمس دول تمثل المنتصرين في الحرب، فيما بقيت بقية الشعوب خارج دائرة الفعل، محكومة بمنطق الوصاية والهيمنة. مع موجة الاستقلالات في ستينيات القرن الماضي بدأت إفريقيا تكتشف ذاتها كقارة ذات إرادة سياسية، غير أن هذا الوعي لم يُترجم إلى موقع فعلي داخل المؤسسات الدولية. التكتلات الإفريقية التي تشكّلت لاحقًا، مثل منظمة الوحدة الإفريقية ثم الاتحاد الإفريقي، لم تمتلك أدوات كافية لتغيير بنية مجلس الأمن، رغم أن ثلث الملفات التي ينظر فيها هذا المجلس تخص القارة الإفريقية.
في العقدين الأخيرين تصاعد النقاش حول ضرورة إصلاح مجلس الأمن، سواء لتوسيع العضوية أو تعديل آليات التصويت، فبرزت مطالب متكررة لمنح إفريقيا مقعدًا دائمًا انسجامًا مع وزنها الجغرافي والسكاني والاقتصادي. تحركت دول القارة ضمن ما يُعرف بـ”توافق إزولويني” الذي صاغته مفوضية الاتحاد الإفريقي عام 2005، والذي ينص على مطالبة إفريقيا بمقعدين دائمين وخمسة غير دائمين. غياب التوافق حول الدولة التي تمثل القارة أضعف هذا المطلب، ما أدخل القارة في سباق داخلي خفي حول أحقية القيادة القارية في المؤسسات الأممية. مع تنامي النزعة الإفريقية نحو الاستقلال في القرار السياسي، خصوصًا بعد الانقلابات العسكرية في منطقة الساحل، أصبح واضحًا أن بقاء إفريقيا خارج دوائر القرار الدولي يعود أيضًا إلى ضعف التنسيق الإفريقي الداخلي وتضارب المصالح الوطنية. في هذا المناخ يسعى المغرب إلى بناء تموقع جديد يجمع بين العمق الإفريقي والانفتاح الأطلسي ويقدّم نموذجًا للدولة الإفريقية القادرة على الحوار مع الشمال دون الانفصال عن الجنوب.
النظر في مسار المغرب داخل إفريقيا يظهر أن التفاعل الدبلوماسي شكّل خيارًا استراتيجيًا مؤسّسًا. بعد سنوات من الابتعاد عن منظمة الوحدة الإفريقية، اختار المغرب العودة التدريجية إلى العمق القاري، مع رؤية واضحة لإفريقيا كحقل حضاري متكامل تتقاطع فيه المصالح والرموز والذاكرة. أدركت الرباط أن بناء القوة يتحقق من خلال تثبيت حضور فعّال داخل القارة، يرتكز على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة بدل الخطاب العاطفي الذي طبع العلاقة الإفريقية لعقود طويلة.
تحوّلت هذه الرؤية إلى دبلوماسية اقتصادية ممتدة، فالمؤسسات البنكية المغربية أصبحت من أهم المستثمرين في غرب ووسط إفريقيا، وشركات الاتصالات والطاقة والفلاحة المغربية أصبحت علامات واضحة في عدد من العواصم الإفريقية. البعد الاقتصادي لم يكن العامل الوحيد، إذ استطاع المغرب أن يبني شبكة نفوذ رمزي وديني من خلال روابط الزوايا والطرق الصوفية الممتدة إلى السنغال ومالي وغينيا وغيرها، ما منح الدبلوماسية المغربية عمقًا روحيًا متفردًا. إلى جانب ذلك، أصبحت المدارس الدبلوماسية والعسكرية المغربية فضاءً لتكوين عدد من الأطر الإفريقية، في تجسيد لفكرة القوة الناعمة التي تقوم على الجاذبية والمصداقية.
المغرب قدّم نموذجًا مغايرًا في التعامل مع إفريقيا، فاختار الانخراط معها في شراكات متوازنة تجمع بين التنمية والأمن والثقافة والاقتصاد. وبهذه الطريقة أصبحت الرباط تُقدَّم في المحافل الدولية كبوابة إفريقيا نحو أوروبا والأطلسي، وكطرف إفريقي موثوق قادر على مخاطبة القوى الكبرى بلغة الندّية الهادئة. هذه الدينامية جعلت من المغرب فاعلًا قاريًا مؤثرًا وفتحت أمامه آفاقًا جديدة في سباق المقعد الإفريقي الدائم، لأن من يمتلك رؤية إفريقية ناضجة وشبكة تحالفات متوازنة يمكن أن يتحوّل إلى ممثل شرعي لروح القارة في المنتظم الدولي.
تدخل القارة الإفريقية في السباق عبر أربع دول رئيسية: جنوب إفريقيا، نيجيريا، مصر، والمغرب. جنوب إفريقيا تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وموقعًا رمزيًا مؤثرًا، وقدرة على التأثير داخل المنظمات الدولية، لكنها تواجه تحديات داخلية ونزاعات إقليمية تحدّ من قدرتها على تمثيل التعدد الإفريقي بشكل كامل. نيجيريا، بقوتها السكانية الضخمة وثقلها النفطي، تتمتع بإمكانات اقتصادية وسياسية هامة، غير أن التوترات الأمنية وظهور الجماعات المسلحة داخل حدودها يضعف من فعاليتها على الساحة الدولية. مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وحضورًا تاريخيًا مؤثرًا، ما يمنحها نفوذًا دبلوماسيًا قويًا، لكنها تواجه صعوبة في الجمع بين مصالحها الإفريقية والعربية في بعض الملفات، ما يضعف من صورتها كمرشح يمثل القارة بشكل متوازن. المغرب، في المقابل، اعتمد على استراتيجية الهدوء والفاعلية المتوازنة، ما مكّنه من توسيع شبكة تحالفاته الاقتصادية والدبلوماسية لتصبح نموذجًا للتمثيل القاري المتوازن.
المغرب اختار الفاعلية الهادئة. فهو يراكم إنجازات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية تجعل ترشيحه أكثر اتزانًا. حافظ على علاقات متوازنة مع جميع القوى الدولية، من واشنطن إلى بكين، دون التورط في محاور محددة. رسّخ حضورًا في مناطق كانت تُعتبر بعيدة عن تأثيره، مثل منطقة الساحل وغرب إفريقيا. هذه القدرة على التحرك بهدوء تمنحه وزنًا مميزًا في حسابات العواصم الكبرى، التي تبحث عن فاعل إفريقي مستقر وموثوق. شراكاته المتقدمة في مجالات الأمن والهجرة والطاقة المتجددة تعزز مكانته، إضافة إلى علاقاته المتوازنة مع الصين والهند والبرازيل، ما يمنحه مرونة واسعة في التفاعل مع القوى الصاعدة. هذه الاستراتيجية المتزنة تجعل المغرب صوتًا عقلانيًا قادرًا على التوفيق بين مصالح القارة وضرورات النظام الدولي.
مسار الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين يظهر انتقالها من ردّ الفعل إلى التخطيط المبني على الرؤية والاستبصار. السياسة الخارجية للمملكة أصبحت هندسة استراتيجية تعيد بناء مكانة المغرب في القارة وفق تصور بعيد المدى. الرباط أدركت أن التحولات الإفريقية تعكس تحوّلًا بنيويًا في موازين القوة، وأن من لا يقرأ هذا التحول بدقة قد يبتعد عن مسار التاريخ. المغرب استند إلى ركائز أساسية: الاستقرار الداخلي والتنوع في الشراكات. الاستقرار السياسي والأمني مكّنه من التحرك بثقة في محيط مضطرب، فيما سمح له تنويع الشراكات بالابتعاد عن منطق المحاور الذي مزّق القارة خلال فترات سابقة.
الدبلوماسية المغربية اعتمدت على الرمزية الحضارية إلى جانب الأدوات المادية، فالمغرب يقدم نفسه كفاعل يحمل مشروعًا ثقافيًا وروحيًا وإنسانيًا، قوة مالية تبحث عن الأسواق فقط. القوافل الاقتصادية ترافقها دائمًا مبادرات إنسانية وثقافية، مؤكدة أن السياسة الخارجية نشاط متكامل يوازن بين المصالح والقيم. المغرب تحرّك في ملفات حساسة — أمن الساحل والهجرة غير النظامية والتغير المناخي — وفق مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية وبين الواقع المحلي والمصير القاري.
اترك تعليقاً