أحداث الكان: مظاهر القصور وضرورة ترتيب بعض الأولويات

أصبح المغاربة على دراية تامة بأن هناك محاور للشر كرّست كل جهودها للمساس بمصالح المغرب وأمن المغاربة، وأن هذه المحاور قد استغلت أحداث الكان لتقود حملة كبيرة تعدّت كل ما هو رياضي إلى ما هو سياسي واقتصادي وثقافي، ومع مرور الأيام، تتكشف الحقائق، بأن خصوم المغرب لا ينفكون عن خلق وتنفيذ مشاريع قذرة يُراد من خلالها تشويه صورة المغرب والمغاربة وضرب النموذج الاقتصادي والثقافي المغربي، فالمغرب لم ينجح فقط في تنظيم تظاهرة رياضية في وقت قياسي، بل في قوته التنظيمية ونموذجه الاقتصادي الذي أصبح يجني ثمار المجهودات التي تم الاستثمار فيها لعقود، غير أن هذه المؤامرة تستدعي طرح العديد من الأسئلة التي يجب علينا كمغاربة البحث عن جواب موضوعي وعملي لها، فالإزدهار دائمًا يحمل تحديات كبرى، وترتبط به أثمان يجب دفعها، والثمن هنا هو وجود محاور للشر تسعى بكل الوسائل إلى عرقلة تقدم المغرب وتقويض صورته قاريا ودوليا.
وفي قارة هشة، غارقة في الانفعالات، وتعاني من ضعف آليات التعويض النفسي، تصبح قوى الهدم أكثر حضورًا وفاعلية، حيث يزداد الخوف من الانفتاح من جهة، وانتشار قيم سلبية ضد التعاون من جهة أخرى، بل وتصريف مواقف ضد النخب في مجالات اقتصادية ورياضية بهدف تقويض شرعيتها، فهذه الدينامية تطبع كل شيء بعدم الاستقرار. وكمغاربة، يجب أن نعترف بأن ما وقع خلال الكان هو مؤامرة، كانت مرتبة في أهدافها وفي وسائلها، وإن لم تحقق النتائج المرجوة منها، لكن ينبغي أن ندرك امتداداتها في ظل ما شاهدناه ونشاهده، كما يجب الاعتراف كذلك بأن الدولة تأخرت في التيقظ للخطر الداهم، وأن الوقت قد حان للإقرار بأن خصوم المغرب متقدمون بخطوة كبيرة في هذه الحرب القذرة، وباستطاعتهم أن يوظفوا كل ما هو ممكن من أجل الحاق أكبر أذى بالمغرب والمغاربة.
لم يعد الأمر مجرد فعل عابر، بل نهجًا استراتيجيًا وتكتيكًا متراكمًا يعكس حجم الاستثمار الهائل في استهداف المصالح العليا للمغرب. ونحن أمام فاعلين يتمتعون بذكاء كبير في حشد الجماهير وتشكيل الرأي العام، ما يستدعي تفكيرًا جديًا وعميقًا في العديد من السرديات التي شكّلت الإطار العام لإزدهار المصالح المغربية وعلاقاته الخارجية، خاصة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، ويفرض ضرورة حمايتها وتعميقها.
كما يجب الإشارة إلى دور بعض المؤثرين المغاربة، وإن دون قصد، في تغذية هذا المشروع عبر اشاعته والتعريف به، وإن كان في غير قصد، رغم وجود بدائل عدة كان يمكن اعتمادها للحد من تأثيره وفعاليته. وهذا يؤكد أن المؤامرة ضد المغرب لم تعد تميّز بين الدولة والشعب، بل باتت تستهدف النظام الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والأمن الروحي للمغاربة جمعاء، كما لم يعد عناصرها يكتفون باستغلال بعض الأخطاء أو الأحداث، بل أصبحو قادرين على تشكيل قضايا وأحداث تخدم أغراضهم، ما يفرض تدبيرًا عاجلًا لعدد من الجوانب الحيوية. وتجاوز نقاط القصور في التعاطي مع بعض الهجمات التي يتم تنفيذها ضد المغرب والمغاربة، والتي كانت جلية على عدة مستويات: نذكر منها:
أولًا: يتضح وجود قصور في تعاطي الحكومة مع هذا النوع من المواضيع الحساسة، إذ كان من المفترض تنوير الرأي العام أو على الأقل دعوة المغاربة إلى عدم الوقوع في الفخ الذي يسعى إلى جرّهم إلى تبني خطابات عنصرية، والتنبيه إلى وجود أطراف تستهدف البلاد. وكان من شأن ذلك أن يُمكّن المجتمع من احتواء الوضع في حينه. غير أن ما حدث يؤكد افتقار الحكومة لوسائل وأدوات فعالة في رصد الظواهر التي تهدد الأمن القومي وتقييم مخاطرها في زمن معقول، أو أن الحكومة اكتفت في تدبير الأمر رسميًا على المستويات العليا، وهو ما لم يعد كافيًا في ظل التحولات الحالية التي جعلت من تدبير بعض التحديات في غاية الحساسية والتعقيد مما يقتضي الفورية والاستباقية في التنبه للأخطار والتعاطي معها.
ثانيًا: يبرز ضعف الإعلام المغربي في الدفاع عن القضايا الوطنية وحماية المصالح العليا للبلاد، وغياب نهج استراتيجي يميّز بين الوظيفة الإعلامية الأساسية وبين البحث عن المنافع الاقتصادية. فالعديد من الصفحات والحسابات التي انبنى خطها التحريري حول الشأن الداخلي، لم تكن قادرة على مواكبة هذه التطورات، خاصة في ظل غياب إعلام متخصص. بالإضافة إلى أنها لا تستطيع أن تغطي الأحداث طيلة 24 ساعة، وهو ما يشكل فراغا زمنيا ينتج عنه سيادة افتراضية للمواقف المعادية والهجمات الافتراضية خاصة في الفترات الاستراتيجية مثل الكان، أو أنها ظلت في اعتقادها القديم بأن الأمر لم يكن يتجاوز صراعًا كلاسيكيًا مع الذباب الإلكتروني، بينما كانت في الواقع تواجه ذبابير إلكترونية فتاكة نمت في شرانق المخابرات المعادية.
ثالثًا: يجب تقبّل حقيقة أن هناك مواقف لا تنظر بعين الرضا إلى النجاحات التي يحققها المغرب داخليًا وخارجيًا، وهذه المواقف لا تقتصر على الخصوم التقليديين، بل تشمل دولًا تربطها بالمغرب علاقات استراتيجية. وهذه المواقف مرشحة دائمًا لإنتاج توترات قد تؤثر على مصالح المغرب والجالية المغربية ما لم تُحتوَ بشكل استباقي، وما لم يتم تصحيحها في اللحظة المناسبة.
رابعًا: إن التركيز على النخب وحدها في توطيد العلاقات المغربية بالدول الإفريقية غير كافٍ. صحيح أن المغرب تربطه علاقات قوية مع النخب الإفريقية، خاصة دول جنوب الصحراء، غير أن هذه النخب متغيرة وتتأثر بالضغوط، ولا تضمن استدامة المواقف. وفي ظل التحولات التي تعرفها بعض هذه الدول، أصبحت النخب تبني سياساتها على المزاج الشعبي، ما يعني أن القوة الناعمة يجب أن تستهدف الجماهير أيضًا، لا أن تقتصر على النخب فقط، وهو ما يستدعي مراجعة الأطر والوسائل المعتمدة.
وانطلاقًا من هذا، يتضح أن المغرب في حاجة إلى إعادة النظر في عدد من المنظومات الحيوية وترتيب الأولويات. في مقدمتها ؛ المنظومة الإعلامية، حيث بات من الضروري إعادة هيكلة الإعلام المغربي، والتمييز العملي بين الإعلام الترفيهي والإعلام التكتيكي والاستراتيجي القادر على ترسيخ المصالح والحضور المغربي في وجدان الإنسان الإفريقي بما يوازي التطورات التي تشهدها البلاد وطموح المغرب في لعب دور إقليمي متزايد والتصدي لخصومه عبر تضييق الخناق عليهم. ويجب أن يكون إعلامًا فاعلًا، قادرًا على معالجة قضايا تاريخ إفريقيا وهويتها، وتسليط الضوء على ثقافاتها، خاصة السينما والثقافة الإفريقية والتعليم والرياضة… وهي مهمة يمكن أن تضطلع بها الدولة والقطاع الخاص، تقودها نخبة إعلامية وفكرية مثقفة من المغرب وباقي الدول الأفريقية الأخرى، بعيدة عن السذاجة في معالجة القضايا الحساسة. لأن ترك الفراغ في هذا الشأن سيزيد من تكاليف حماية مصالح المغرب في القارة الأفريقية مستقبلا.
أما على مستوى المنظومة القيمية، فرغم ما تتسم به من انفتاح وتسامح، وعلى الرغم من أن النموذج الديني المغربي يحتذى به قاريا ودوليا، إلا أننا في عهد جديد يتجاوز القيم الصلبة إلى القيم السائلة مما يكرس إرهابا افتراضيا ضد الدول ومصالحها، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتنامي ظاهرة التأثير السطحي. وتبرز هنا ضرورة تقنين الفضاء الرقمي وتقنين التأثير، ووضع ميثاق أخلاقي يؤطر عمل المؤثرين والحسابات ذات التأثير الواسع، فالسؤال لم يعد سؤال حرية رأي أو تعبير، بل أصبح سؤال الأمن وحماية مصالح الدولة والوطن. وهذا النهج أصبح يحظى بأولوية كبيرة في الدول الكبرى كالصين وأمريكا.
وفيما يخص منظومة الأمن السيبراني، فعلى الرغم من السمعة الدولية التي تحظى بها الأجهزة الأمنية المغربية في تدبير ملفات حساسة على رأسها الإرهاب والتهريب الدولي للمخدرات… فإن الأمن الرقمي يظل في حاجة إلى مجهود أكبر، من خلال إحداث إطار أمني ومؤسساتي متخصص لحماية المواقع الإلكترونية الرسمية من الهجمات السيبرانية المتزايدة. وتشديد المراقبة على ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، عبر نهج تقني يقوم على التنبيه المباشر للمواطنيين عبر تطبيقات خاصة، تتيح لهم التأكد من هوية الصفحات والحسابات المشبوهة وأصحابها، وبالتالي تجنب تداول محتوياتها… كما يجب إدراك أن الحرب الحقيقية باتت تُدار عبر تشكيل الرأي العام والتأثير في الاتجاهات العامة والخاصة، وأن المغرب يوجد في قلب حرب رقمية شرسة تستهدف السلم الاجتماعي والأمن الجيوسياسي، ما يجعل الاستثمار في تقنيات الأمن الحديث أولوية قصوى.
كما ينبغي تصحيح منظومة إدراك المغاربة للأخر، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء، ذلك أن إفريقيا قارة يغلب عليها الغموض، وأن الغموض الاستراتيجي في تنفيذ المصالح المغربية يمثل عاملًا وقائيًا، إذ ليس من الضروري تسليط الضوء على كل شيء. ففي السياق الإفريقي، قد يكون الصمت نعمة والظهور المفرط نقمة، فكثير من المواقف السلبية تجاه المغرب تغذيها الحملات الإعلامية المكثفة التي تبرز كل تحركاته، وتجعله تحت الأضواء، وهو ما يخدم مصالح قوى أخرى تسعى جاهدة إلى أن تكرس تواجدها في القارة تحت الظل. كما يسهل ذلك على أعداء المغرب توطين هذه المصالح الاستراتيجية بهدف خلق مواقف معادية تجاهها.
وأخيرًا، يبرز عامل اللغة، أو ما يمكن تسميته باللغة الاستراتيجية، إذ يحتاج المغرب بشكل ملحّ إلى منابر وحسابات إعلامية ناطقة بالإنجليزية المنبعثة من السياق الإفريقي، لمواجهة خطاب الخصوم الذي يستهدف جمهورًا دوليًا واسعًا.
وعليه، فقد حان الوقت لفتح الأعين جيدًا، وإدراك أننا في مواجهة حرب متكاملة، ولا سبيل للتغلب عليها إلا بخوضها بوعي وحزم، والحفاظ على الوحدة والتماسك الوطني. فقوة المغرب في وحدته، ووحدة المغرب تتحدد من خلال الاتحام حول رموزه. دون السقوط في السذاجة الكلاسيكية بأن كل شيء يمكن تدبيره من فوق، أو أن هناك فترات تاريخية لنضج المواقف والأحداث تتجاوز الأفراد، فاليوم المواطن، بصفته الذاتية أو الالكترونية هو فاعل ومؤثر، وهو يمكن في ظروف معينة أن يخلق تحولات قوية قد تبني وضعا ما، أو قد تعصف بوضع أخر، مهما كانت قوته.
اترك تعليقاً