وجهة نظر

بين سلطة الشاشة وحدود القانون

في سابقة تشريعية دالة على تحول عميق في وعي الدولة الحديثة بمخاطر الفضاء الرقمي، صادق البرلمان الفرنسي على مشروع قانون يمنع القاصرين دون سن الخامسة عشرة من ولوج منصات التواصل الاجتماعي، من قبيل «تيك توك» و«سناب تشات» و«إنستغرام»، باعتبارها فضاءات لم تعد بريئة، ولا محايدة، ولا آمنة بما يكفي لأعمار لم يكتمل فيها الوعي ولا نضجت فيها المناعة النفسية بعد. وينتظر أن يحال النص على مجلس الشيوخ قبل دخوله حيز التنفيذ، بحيث يشمل حظرا للهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية، لتصبح بذلك فرنسا ثاني دولة، بعد أستراليا، تتجرأ على مقاربة المسألة من زاوية الحماية لا من زاوية السوق الاستهلاكي.

ولا يبدو هذا التوجه التشريعي مجرد مزايدة سياسية أو نزوة أخلاقية، بل استجابة واعية بواقع صارخ مفاده أن مشاعر الأطفال والمراهقين أضحت مادة خام في بورصة الخوارزميات، تستثمر وتوجه وتستنزف، دون اعتبار للأخلاق أو الجانب النفسي والاجتماعي. ففي عالم افتراضي بات موازيا للعالم الحقيقي، بل متقدما عليه في التأثير، انكسرت الحدود بين الخاص والعام، وبين الطفولة والنضج، وبين المعرفة والتضليل، وانهارت بذلك الجدران التي كانت تحمي الوعي الجمعي من الاختراق السريع.

لقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات ذات تفاعل لحظي، تمكن الفرد من التفاعل مع الحدث وهو في بيته، أو في وسيلة نقل، أو في قاعة درس، غير أن هذا الامتياز التقني أخفى خلفه خطورة بالغة، خصوصا حين يتعلق الأمر بعقول لم تتشكل بعد. فمن يملك الخوارزميات لا يملك فقط أدوات النشر، بل يمسك بخيوط التأثير، ويعيد تشكيل الذوق العام، ويوجه الانفعال، ويصنع الأولويات. وليس من قبيل الصدفة أن تستثمر هذه القوة في السياسة، كما حدث في التجربة الأميركية، حين تحولت منصات التواصل إلى مطابخ انتخابية تدار فيها الحملات، وتقزم الخصوم، ويعاد ترتيب الخريطة الذهنية للناخبين.

وقد تعزز هذا الادراك بنتائج دراسات علمية متواترة تحذر من الإدمان الرقمي باعتباره أحد أخطر أمراض العصر، لما له من آثار مباشرة على النمو العصبي، والصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية. إذ لم تعد عيادات الطب النفسي تستقبل حالات فردية معزولة، بل موجات متصاعدة من أطفال ومراهقين يعانون القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والعزلة، والسلوك العدواني، نتيجة انغماس غير مضبوط في عالم افتراضي لا يعترف بالقيم ولا بالحدود.

فبدل أن تعاش الطفولة باعتبارها زمنا للعب والتعلم والتنشئة الوجدانية، صار كثير من الأطفال يهدمون طفولتهم بأصابعهم في غياب دور الأسرة، تحت سطوة الشاشات، وضغط المقارنات، والتنمر الإلكتروني، بل والتعرض لأبشع أشكال الاستغلال الجنسي الرقمي، وهو ما يخلف ندوبا نفسية عميقة يصعب ترميمها لاحقا.

غير أن خطورة الظاهرة لا تكمن فقط في المنصات ذاتها، بل في كيفية تدبيرها واستعمالها داخل بعض السياقات الوطنية، ولعل الحالة المغربية مثال حي و دال في هذا الباب. إذ تشهد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب انفلاتا مقلقا في المعايير، حيث تحولت، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات للاستعراض الفج، وتجارة التفاهة، والاسترزاق السريع، ولو على حساب القيم، والمبادئ، والأعراف الاجتماعية الراسخة. فقد برزت فئة تتخذ من الابتذال مهنة، ومن الإثارة الرخيصة سلعة، ومن تشويه الذوق العام وسيلة للانتشار، في غياب تأطير أخلاقي أو وعي جماعي بخطورة ما يبث ويروج.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض الفاعلين الرقميين باتوا يستخدمون هذه المنصات في كل ما هو سلبي مثل التضليل و الابتزاز وكذلك السب والتشهير، إلى غيره من تسطيح للنقاش العمومي، وتطبيع مع العنف بكل أشكاله، مما يجعل من الفضاء الرقمي المغربي، في أحيان كثيرة، بيئة طاردة للقيم، ومعادية للتفكير النقدي، ومحبطة لكل محاولة جادة لبناء محتوى هادف ومسؤول.

وإذا كان ما أقدم عليه المشرع الفرنسي بعتبر خطوة محمودة، فإن نجاحها يظل رهينا باليات التنفيذ، خصوصا في ما يتعلق بالتحقق من أعمار المستخدمين وضبط المحتوى، وهو تحد لا يمكن أن تضطلع به الدولة وحدها، بل يستدعي انخراط الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني، في معركة وعي طويلة النفس. لأن الفشل في هذا الرهان لا يعني فقط انفلاتا رقميا، بل سيتحول إلى تفكك قيمي، وتمزيق للنسيج الاجتماعي، وإهدارا لأجيال كاملة.

ويبقى التحدي الأكبر هو إيجاد معادلة دقيقة بين صون حرية التعبير، باعتبارها مكسبا إنسانيا، وبين حماية القيم المشتركة، والحد من الانحراف والتضليل الرقمي. وهو سجال لا يخاض وطنيا فقط، بل يتطلب تنسيقا إقليميا ودوليا، لبناء قوة تفاوضية قادرة على فرض قواعد أخلاقية على عمالقة التكنولوجيا، حتى لا تبقى الإنسانية رهينة خوارزميات لا ترى في الإنسان سوى رقم تسلسلي في قائمة بياناتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *