مجتمع

تقرير: فيضانات القصر الكبير تكشف خللا هيكليا رغم نجاح التدخلات

كشفت تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD)، عن تفاصيل دقيقة حول تدبير فيضانات حوض اللوكوس الأخيرة، واصفا الاستجابة الرسمية بأنها حققت “نجاحا تكتيكيا” باهرا في حماية الأرواح عبر الإجلاء الاستباقي، لكنها عرت في المقابل عن “اختلالات بنيوية” عميقة في منظومة الوقاية والتعمير وآليات التعويض، مما يستدعي، بحسب المركز، تغييرا جذريا في العقيدة التدبيرية للمخاطر الطبيعية في المغرب للانتقال من منطق “رد الفعل” إلى “الاستباق المؤسسي”.

وأوضحت الورقة، التي حملت عنوان “فيضانات القصر الكبير ومنطقة الغرب: استجابة ناجحة لإنقاذ الأرواح وخارطة طريق لتعزيز حكامة الماء”، أن السلطات المغربية نجحت في تنفيذ عملية إجلاء واسعة شملت ما يقارب 154,309 شخصا على مستوى الأقاليم المعنية (العرائش، تطوان، شفشاون، وزان) بحلول ذروة الموجة الفيضانية يوم 6 فبراير 2026، وهو ما جنب المنطقة خسائر بشرية مباشرة داخل نطاق الإجلاء، رغم تسجيل 4 وفيات في حوادث مرتبطة بالسيول بإقليم تطوان خارج المحيط الذي شمله التدخل الاستباقي، معتبرة أن هذا التحرك يعكس نضجا في إدارة المخاطر يرتكز على عقيدة “الأرواح أولا”.

وأكد المصدر ذاته أن هذا النجاح العملياتي في الظرفية الطارئة لا يحجب “الفجوات الهيكلية” التي كشفتها الأزمة، وفي مقدمتها ضعف الوقاية البنيوية المتمثلة في هشاشة شبكات تصريف مياه الأمطار وعدم قدرة مجاري الأودية على استيعاب التدفقات الاستثنائية بسبب الاختناقات الهندسية والتوسع العمراني غير المخطط، مشيرا إلى أن الاعتماد على الإجلاء كحل دائم يعد استراتيجية مكلفة وغير مستدامة، وأن استمرار منح رخص البناء في مناطق مصنفة كـ”فيضانية” يعد بمثابة “استثمار ممنهج في كوارث مستقبلية” وصناعة للمخاطر المؤجلة.

وأشار التقرير، الذي اعتمد على منهجية تحليل السياسات العمومية والبيانات الرسمية والميدانية، إلى المعطيات التقنية الحرجة التي رافقت الأزمة، حيث بلغ حجم المياه المخزنة بسد وادي المخازن ذروته بـ 1.08 مليار متر مكعب ما بين 6 و7 فبراير 2026، مما اضطر الوكالة والجهات المختصة لتنفيذ “إطلاقات مائية متحكم فيها” للحفاظ على سلامة السد، وهي العملية التي افتقرت، بحسب الورقة، إلى تواصل استباقي ومبسط يشرح للرأي العام مبررات القرار التقني، مما خلق فراغا معلوماتيا ملأته الإشاعات وزاد من منسوب القلق لدى الساكنة.

واعتبر خبراء المركز أن التركيز على الجانب الأمني واللوجستي، رغم أهميته القصوى، أغفل بشكل كبير حماية “سبل العيش” في العالم القروي، حيث تعرضت الماشية والمحاصيل والبنى التحتية الفلاحية لأضرار جسيمة، منتقدين تأخر تفعيل مساطر التعويض المنصوص عليها في القانون 110.14، وغياب بروتوكولات دعم اقتصادي تلقائية، داعين القطاع البنكي وشركات التأمين إلى تحمل مسؤولياتهم في تقاسم عبء الصدمة عبر تدابير استثنائية مثل تجميد الأقساط وتوفير قروض ميسرة لإعادة الإعمار.

وقدمت الوثيقة خمس توصيات مفصلية لإصلاح المنظومة، أبرزها إحداث “هيئة وطنية للماء والمخاطر” لتوحيد القرار الاستراتيجي وإنهاء حالة التشتت بين القطاعات، وتفعيل “صندوق وطني للأمن المائي” لتمويل البنية التحتية الوقائية بشكل مستدام، بالإضافة إلى فرض إلزامية دمج خرائط المخاطر في وثائق التعمير مع ربط المسؤولية بالمحاسبة لمن يمنح التراخيص في المناطق الحمراء، وتطوير منصة وطنية للبيانات المائية المفتوحة لضمان الشفافية ومحاربة الأخبار الزائفة.

وشدد المركز في تحليله على ضرورة تثمين نقاط القوة التي أظهرتها الأزمة، وخاصة التنسيق الميداني العالي بين السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية التي لعبت دورا أساسيا في الدعم اللوجستي، وكذا الدور المحوري لمديرية الأرصاد الجوية في توفير إنذار مبكر دقيق، داعيا إلى مأسسة هذه المكتسبات عبر تدريبات سنوية وسجلات وطنية للمتطوعين لتعزيز التضامن المجتمعي الذي شكل صمام أمان لامتصاص الصدمة الاجتماعية.

وختم التقرير بوضع خارطة طريق تنفيذية مقسمة زمنيا، تقترح إجراءات عاجلة (من 0 إلى 30 يوما) تشمل تفعيل خلية أزمة للتعويض وإطلاق حملة تواصلية، وإجراءات متوسطة المدى (1 إلى 6 أشهر) لصرف الدفعة الأولى من التعويضات ودعم الفلاحين، وصولا إلى إصلاحات هيكلية (6 إلى 24 شهرا) تهم المصادقة على قانون الهيئة الوطنية للماء وتفعيل التمويل الوقائي، مشددا على أن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في إعادة بناء ما تهدم، بل في إصلاح منظومات الحكامة لضمان عدم تكرار السيناريو نفسه في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • عبدو
    منذ 8 أشهر

    وبركاته من التعليقات الخوية وتبخيس المجوهودات الجبارة التي تقوم بها الدولة في المناطق المنكوبة أعطي بنا المثال في دول عدة عبر العالم في التعامل مع الكوارث الطبيعية وحسن تدبيرها الحمد لله

  • بدر الدين
    منذ 8 أشهر

    أظهرت مجريات هذه الفيضانات النفوذ الجارف لرجال السلطة ممثلين لإرادة وزارة الداخلية و ضآلة نفوذ المنتخبين بدءا من رئيس الجهة و رئيس مجلس العمالة و رئيس المجلس البلدي أو القروي عكس ما نراه في الدول الغربية التي تطغى فيها صورة العمدة الذي تخضع له في مثل هذه الكوارث كل مؤسسات الدولة باعتباره يمثل إرادة الشعب.

  • وان جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا......
    منذ 8 أشهر

    من اين تاتون بهاته التخارير وليست تقارير . هل نسيتم ان هناك زريبة اسمها جاء زاءر الفرنسية اللقيطة الكرغولية التي تم صنعها من الفساد الاخلاقي ثم حكمها كبرانات سارقون فاسدون . الذين نهبوا كل الثروات بتقاسم مع فرنسا وروسيا ورشاوى شراء الذمم واللوبيات لضرب مصالح المغرب . والى اليوم هناك . فساد في كل شيء . وحتى السعب الهجين اللقيط فاسد ا خلاقيا . والزرؤبة بلا تنمية ولابنية تحتية . وتاتون اليوم لتكلمني عن الفساد في شمال افريقيا