منتدى العمق

الدروس الحسنية الرمضانية.. عبقرية الملوك العلويين في صون الثوابت ومواكبـة المتغيرات

مع اقتراب شهر رمضان الأبرك، تتجه أنظار الأمة المغربية نحو القصر الملكي، هناك حيث يترأس مولانا أمير المؤمنين بمناسبة هذه الأيام الفيحاء، الدروس الحسنية الرمضانية، التي يحضرها كبار علماء الأمة الإسلامية وأعضاء الحكومة وأعضاء السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي المعتمدين لدى جلالة الملك بالمغرب، وسامي الشخصيات العسكرية والمدنية النافذة بالبلد.

تاريخياً، عرفت هذه الدروس مراحل من الإشعاع والخفوت، وحظيت بعناية خاصة في عهد الدولة العلوية؛ حيث أقيمت في عهد السلطان المولى إسماعيل، وكان هذا السلطان يكرم العلماء ويقوم بتعظيمهم من خلال مجالس علمية في رمضان تناقش فيها أمور الدين والشريعة وعلم الحديث والفقه وعلوم التفسير وغيرها من العلوم الدينية، وذلك لإعادة الاعتبار إلى أصول الشريعة الإسلامية.

وانتقلت هذه العادة عبر سلاطين الدولة العلوية حتى وصلت إلى عهد السلطان الحسن الأول (1873-1894) وتألقت في عهده؛ حيث كان يقيم الدروس الدينية خلال شهر رمضان في قصره، وكان معروفاً بحبه وتقديره وتكريمه للعلم والعلماء والمعرفة.

سار الملك محمد الخامس رحمه الله (1927-1961) على نفس خطى أسلافه، فكان يحيي في كل شهر رمضان الدروس العلمية الحديثة التي كانت تحضرها نخبة مهمة من العلماء في المغرب، وكان يتم دراسة الفقه والشريعة وكتب صحيح البخاري ومسلم. وكانت هذه الدروس تعقد أيضاً في المساجد والزوايا، حيث كان لها الأثر البارز والمهم في تحدي السياسة الاستعمارية التي كانت تنتهجها فرنسا في المغرب، والتي كانت تروم ضرب المقومات الدينية والوطنية والقومية للمغرب.

أولاً: الرعاية الحسنية للعلم: من المجالس السلطانية إلى مأسسة الدروس الحديثة

إذا كان عهد الملك المجاهد محمد الخامس قد حافظ على هذه الشعلة العلمية في وجه الاستعمار، فإن عهد وارث سره الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، سيشكل المنعطف الحاسم الذي نقل هذه المجالس من حيزها التقليدي إلى رحاب العالمية والمأسسة الحديثة، وبذلك يعود له الفضل في إنشاء الدروس الحسنية الرمضانية في صورتها الحالية.

لقد تسلم الملك الحسن الثاني قيادة البلاد والعباد في مرحلة حساسة ودقيقة، تطلبت العمل على بناء دولة مغربية حديثة قائمة على الحرية والديمقراطية، ووفية لثوابتها وهويتها التاريخية، ولأجل ذلك كان من الضروري أن يرتكز النظام السياسي بالمغرب على التعددية الحزبية ووجود مؤسسات وطنية ودينية وعلمية تصون الثقافة الوطنية وتعمل على مقاومة الغزو الأيديولوجي والمد الماركسي مقاومة ذاتية وفعالة. ولهذه الغاية عمل على إنشاء دار الحديث الحسنية، وإنشاء المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية بكافة ربوع التراب الوطني، وفتح شعب الدراسات الإسلامية بكافة كليات الآداب بالجامعات المغربية لمقاومة المد الماركسي الذي هيمن على أفكار جيل الشباب الصاعد آنذاك.

وفي سياق هذه الاستراتيجية الهادفة إلى نشر الوعي بعبقرية الإسلام، عقيدة وشريعة وانفتاحاً على قيم الحضارة الإنسانية، أنشأ نظام الدروس الحسنية الرمضانية، التي كانت تنقل عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية وكان يتابعها المسلمون من كافة بقاع العالم لتأخذ هذه الدروس شكل جامعة إسلامية، حيث انفردت بها المملكة المغربية عن باقي دول العالم الإسلامي، كما وثق ذلك الدكتور محمد الكتاني في كتابه “أقباس من هدى القرآن والسنة”، حيث ضمن كتابه هذا صفوة من الخطب التي ألقيت في حضرة الراحل الحسن الثاني ما بين 1982 و1997.

لقد كان العلماء والأساتذة المحاضرون المدعوون لإلقاء الدروس، يتناولون مختلف القضايا الإسلامية الفقهية والاجتماعية والسياسية، انطلاقاً من آية قرآنية أو حديث نبوي، حرصاً على جعل الدروس ذات مرجعية إسلامية خالصة.

يذكر الدكتور محمد الكتاني في كتابه السالف الذكر، بأن الأستاذ المحاضر الذي يدعى للمشاركة كان يختار مواضيعه التي يريد إلقاءها بكل حرية واستقلالية فكر، بغض النظر عن نزعته المذهبية، هل هي شيعية أم سنية، مالكية أم حنبلية أم غيرها. وهكذا اعتلى على امتداد العقود الماضية عدد من العلماء المرموقين، من المغاربة كمحمد المكي الناصري، ومحمد علال الفاسي، وعبد الله كنون، والرحالي الفاروقي، وحسن الزهراوي، وأحمد سحنون، وعبد السلام جبران، والحسن بن الصديق. ومن المشرق: موسى الصدر (العراق)، وعبد الله بن عبد المحسن التركي (السعودية)، وأبو الحسن الندوي (الهند)، ومحمد متولي شعراوي (مصر)، ومحمد سعيد رمضان البوطي (سوريا)، وحمد الفاضل بن عاشور (تونس)، وصبحي الصالح (لبنان)، ومحمد سعيد النعماني (إيران)، ومحمد سالم ولد عدود (موريتانيا) وغيرهم.

بل إن منبر الدروس الحسنية اعتلاه رئيس دولة المالديف مأمون عبد القيوم سنة 1993، الذي تولى إلقاء درس أمام الملك الحسن الثاني. في حين سجلت إحدى الدروس الرمضانية حضوراً لضيف المغرب الكبير، الراحل ياسر عرفات سنة 2000.

إن الدروس الحسنية لم تقتصر على مساعي التوحيد والتوفيق بين مختلف المذاهب والفرق الدينية الإسلامية فقط، بل انفتحت على الخلافات الدولية الكبرى، حيث شهدت بعض الدروس التي جرت إبان الحرب الباردة مشاركة محاضرين ومرتلين من الاتحاد السوفيتي ومن أمريكا، حيث كان يتولى مواطن أحد البلدين افتتاح الدرس بتلاوة من القرآن الكريم، في حين يتولى الآخر إلقاء الدرس، في رسالة قوية على رفعة وسماحة تعاليم الدين الإسلامي الرامي لتوحيد الأمة وتجاوز الخلافات.

ثانياً: عهد محمد السادس.. رحلة التجديد ومسار التخليد

سار الملك محمد السادس على نهج أسلافه المنعمين، فحافظ على تقاليد الدروس الحسنية عبر ترأسه لها شخصياً خلال شهر رمضان، حيث عمل على تجديد بعض ملامحها بإفساح المجال للنساء لاعتلاء منبر المحاضرات، حيث باتت تدعى عالمات وأستاذات جامعيات لإلقاء دروس في المجالس وفي حضرة أمير المؤمنين الراعي الأمين لدوام واستمرار هذه السنة الحميدة.

إن فسح المجال أمام المرأة المغربية لاعتلاء منبر الدروس الحسنية، هو رسالة واضحة لما للمرأة من مكانة الصفوة والحظوة في الإسلام من جهة، ولما باتت تحتله من مكانة خولها لها دستور 2011، الذي جعل من المرأة مساهمة فعالة في بناء مغرب جديد، مغرب الحداثة والتقدم، مع صيانته لثوابته الجامعة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، من بين النساء اللواتي دعين لإلقاء محاضرات ضمن مجالس الدروس الحسنية نذكر: ذة. عائشة حجامي، ذة. وداد العيدوني، ذة. نعيمة جمال بنيس، ذة. بهيجة الشدادي، ذة. زهراء ناجية الزهراوي، ذة. رجاء ناجي مكاوي، ذة. زينب العدوي، ومن إندونيسيا ذة. ماني برهان الدين لوبيس، ومن السودان ذة. صفية عبد الرحيم الطيب محمد وغيرهن.

لم تقتصر جهود الملك محمد السادس على الحفاظ على تقاليد الدروس الحسنية وتجديد بعض معالمها، بل امتدت لتخليد الدور الذي لعبته المملكة طيلة قرون مضت في نشر تعاليم الدين الإسلامي السمحة القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية في دول أفريقيا جنوب الصحراء. فبعد أن أصدر أمير المؤمنين أمره السامي بإنشاء مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي باتت اليوم من أكبر المؤسسات التي تضم تجمعاً للعلماء بالعالم الإسلامي، حيث تتوفر على فروع في أغلب الدول الإفريقية، وبعد إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، باتت مجالس الدروس الحسنية مناسبة لتعميق أواصر الأخوة والتقارب والولاء لإمارة المؤمنين وتخليد دورها التاريخي في نشر الدين الإسلامي؛ حيث يحضر لهذه المجالس ممثلو فروع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بمختلف دول القارة، والذين يتقدمون للسلام على جلالته في ختام كل درس من هذه الدروس، كما يتقدم للسلام على جلالته الفائزون بجوائز محمد السادس للقرآن الكريم بكافة فروعها.

وحول قواعد ومواقيت هذه الدروس، فقد جرت العادة في السنوات الأخيرة أن يلقي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدرس الافتتاحي، على أن يتكلف محاضر من خارج المغرب بإلقاء الدرس الموالي وهكذا دواليك، مع ضرورة التقيد بقاعدة انطلاق الدرس من آية قرآنية أو حديث نبوي. أما عن توقيتها فهي تأتي بعد انتهاء أوقات العمل الرسمية، أي بعد العصر إلى قبيل وقت أذان صلاة المغرب.

إن الدروس الحسنية الرمضانية ليست مجرد دروس حديثية دينية عابرة فقط، بقدر ما هي صورة بالغة المعاني لمساهمة مؤسسة إمارة المؤمنين في حماية وصون ثوابت الأمة المغربية والأمة الإسلامية، وفي تعزيز دور الدبلوماسية الدينية في تقريب وجهات النظر وتجاوز الخلافات ونشر تعاليم الدين الإسلامي السمحة.

بالنظر لإلغاء الدروس الحسنية الرمضانية لعام 2025، بفعل خضوع الملك محمد السادس لعملية جراحية آنذاك، فإنه يرتقب هذه السنة -بعد تحسن الحالة الصحية لجلالته- أن تجري هذه الدروس وفق ما كان معمولاً به في السنوات الماضية. وبهذه المناسبة، فإننا نطلب من العلي القدير أن يديم على مولانا أمير المؤمنين نعمة الصحة والتمكين، وأن يبقيه ملاذاً آمناً وذخراً حصيناً لأمته وشعبه الوفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *