ذاكرة الجرح
في الليل، عاد سعيد إلى منزله المنزوي في ركن بعيد من الحارة، يحمل في يده تذكرة قطار ومذكرة ذات لون بني، جلس على كرسي أمام نافذة غرفته المطلة على المقبرة، سرح بنظره وقلبه بعيدا يتأمل هذا المشهد كعادته بهدوء طاغ على ملامحه، وسكون ظاهري يخفي نزيفا في الذاكرة، سمع صوت دقات على الباب توجه بخطوات بطيئة نحوه وكأنه يعرف الزائر، فتح الباب وعاد إلى مكانه قرب النافذة.
دخل أحمد بخطوات أبطأ تتبع مسار خطوات رفيقه وتحمل ما تحمله الأولى من أسف، وقف إلى جانبه ووضع يده على كتف سعيد آملا أن يسمع منه كلمة أو رد فعل يمهد لحديث بينهما، التفت أحمد إلى تذكرة القطار الموضوعة على المكتب وبجانبها المذكرة مفتوحة على آخر صفحة كتبت وقد ظهرت على وجهه ملامح القلق والتساؤل:
ـ أقررت الرحيل ؟
أجاب باختصار:
ـ نعم.
أخذ سعيد علبة السجائر الموضوعة على المكتب، أخرج منها واحدة وهو متردد، عيناه تنظر إلى الأرض خوفا من أن يسقط قناع الصمت فيتعرى حزنه وهزيمته، ثم عاد لينظر إلى المقبرة لكن هذه المرة بنظرات أكثر حدة تحمل أسفا وألما يظهر في انعقاد حاجبيه بين الفينة والأخرى وكأن ذاكرته تتهرب من حقيقة ما، حقيقة الموت.
انتقل من تأمله للمقبرة إلى تركيزه على الدخان المنبعث من فمه وكأنه ينفث ما علق بنفسه ولم يستطع البوح به، أنهى السيجارة ومعها صمته، ثم سأله:
ـ من يهاب الموت الأحياء، أم الأموات؟
أجاب أحمد وهو ينظر في المشهد نفسه (المقبرة):
ـ الموت ينهي الأحياء.
ـ إذن هنالك مقبرة الأموات، وفي هذه الغرفة مقبرة الأحياء.
رد أحمد بصوت غطته نبرة أسف:
ـ الميت يموت مرة واحدة لكن الأحياء يموتون كل يوم، يشيعون جنائز أفراحهم، ويعيشون الحساب حتى في اللحظات التي يعتقدون فيها أنهم جنوا فاكهة من شجرة الأحلام.
أخرج أحمد يديه من جيبه وأشار بها نحو المذكرة وقال:
ـ أعلم أن ما كُتب هنا أعمق مما قيل أو ما سيقال.
ثم نظر على المرآة المكسورة وأردف قائلا:
ـ وأعلم أيضا أنك تهرب من مواجهة نفسك وذاكرتك، لا تريد أن تنسى ولا تستطيع أن تسامح.
زفر نفسا طويلا كبالون منفوخ فُكّ قيده، وقال:
ـ أنا من كسرتها.
ـ لكن، إلى أين تنوي الرحيل؟
ـ أنوي الهروب إلى نقطة اللاعودة…
طاطأ أحمد رأسه دون أن يستفسر عن قصده، فهو يعلم أن سعيد يمشي فوق الدقائق كأنها ساعات، عقارب الساعة تلدغه كلما تحركت، فقد توقف به الزمن في يوم عاشه لم ينته عنده بعد، يوم يمتد في كل الأيام.
أشاح سعيد نظره عن مشهد المقبرة ملتفتا نحو المذكرة، حملها برفق وعيناه تتفحصها بدأ يقلب صفحاتها بعناية ويستنشق منها رائحة الماضي، حنين لذكريات مضت، أو ربما لم تمض تنزوي في ركن من الروح، صور متقطعة من الماضي، ذاكرة زمان ومكان، بين صفحات احتضنت أحلاما موؤودة كانت تقيه من اليأس، هنا جرح في الذاكرة، أمل يتشبث بمخالبه الهشة في عمق ذاكرة موبوءة، تقاوم لتتذكر ثانية لا لتصنع ذكرى جديدة، ذاكرة تؤمن أن النسيان خيانة حتى لو كانت الذكرى شبح يرعب، ذاكرة سعيد سلاحه حتى لو كانت تنزف. بعين تذرف الحسرة والندم قبل الدموع نظر إلى أحمد، وقال:
ـ لم تطاوعني الثمانية وعشرون حرفا بعد في كتابة القصة التي ستكون مرآة نفسي.
ليست الحروف، من علمتني أن الثمانية وعشرون حرفا يمكن أن تكون ذاتي المنعكسة.
بلوعة وكمد ردّ عليه أحمد، كأنه يشاركه الألم نفسه ويحاول إخماد ناره:
ـ زوجتك ماتت الآن، وموتها انتهى بعد دفنها.
ـ لكني لم أدفن حسرتي بأنها لم تصفح عني قبل أن تغادر.
هنا نظر سعيد إلى اقتباس كُتب تحت صورتها المعلقة على الحائط، فحدث نفسه بصمت:
ـ وأنت أيتها المطلة عليّ من أعماق عينيها، يا امرأة السنابل، يا شفير هاويتي تخترعين لي الحياة كلما انتهت”، ابتسم ابتسامة بائسة، أخرج القلم من سترته وجلس على المكتب وبدأ يكتب كأنه يركض بين الأسطر، وقف أحمد يتأمل المشهد قليلا ثم قال:
ـ اكتبها لعلها تغادرك.
تعليقات الزوار
انت تملكين موهبة عليك الاستمرار يوما ما ستتصير من اولائك الكتاب المعروفين حاولي فقط هذه القصة ادهشتني حقا واصلي
من أيام التكوين إلى اليوم، لازال ألق لغتكِ يبهرني. أسلوبٌ ممتع يعكس ذائقة أستاذةٍ متمكنة.. فخورة بكِ.