بين ضفّتين.. الجغرافيا تبحث عن ضميرها
في كلِّ مرّةٍ يُفتَح فيها ملفّ الهجرة، تتحرّك الأرقام وتتحرّك معها خرائط الذاكرة، فتتصادم رؤيتان للعالم: رؤيةٌ ترى الإنسان فائضًا ينبغي ضبطه عند الحدود، وأخرى تراه قيمةً مضافةً حيثما حلّ وارتحل. ومن بين هذا الصخب، جاءت كلمات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في الجلسة الافتتاحية للدورة الـ39 لقمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتعيد السؤال إلى جوهره الفلسفي: هل الهجرة ضرورة إنسانية أم أنانية حضارية؟
لكن السؤال في عمقه ليس سؤال عبورٍ عبر البحر الأبيض المتوسط، بقدر ما هو سؤال عبورٍ عبر المعنى. فمن يغادر أرضه يترك خلفه تراب نشأته الأولى، ويترك نظامًا من الرموز: لغة الأم، وظلّ الشجرة الأولى، ورائحة الخبز، وصوت التاريخ وهو يتردّد في الأزقة. ومع ذلك، فإن الذي يدفعه إلى الرحيل ليس الحنين إلى المجهول، إنه ضغط الضرورة؛ فالإنسان لا يغامر بحياته في الماء إلا حين تصبح اليابسة أضيق من الحلم.
إنّ الهجرة في صورتها المعاصرة ليست قرارًا فرديًا معزولًا، هي نتيجة شبكة معقّدة من الاختلالات: اقتصادٌ عالميٌّ يراكم الثروة في جهة ويترك في الجهة الأخرى فائضًا من الانتظار، تغيّرٌ مناخيٌّ يدفع القرى نحو التصحّر، نزاعاتٌ تمحو معنى الاستقرار، نظامٌ دوليٌّ يسمح بحرية حركة السلع أكثر مما يسمح بحرية حركة البشر .. هنا تتحوّل الحدود من خطوطٍ جغرافية إلى أسئلة أخلاقية: من يملك حقّ الحركة؟ ومن يملك حقّ البقاء؟
في الضفة الأخرى، حيث ترتفع الأصوات المطالِبة بحماية “الهويات الوطنية”، يتجلّى خوفٌ مشروع من الذوبان الثقافي، ومن اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية. فالدولة الحديثة، مثل البيت، تحتاج إلى نظام يحفظ استقرارها. غير أنّ المأساة تبدأ حين يتحوّل هذا النظام إلى جدارٍ صامتٍ أمام صرخة إنسان يغرق. عندها يصبح الأمن بلا إنسانية مجرّد هندسةٍ بلا روح، وتتحوّل السياسات إلى معادلاتٍ حسابيةٍ لا ترى في الإنسان سوى رقم وصولٍ أو ملفّ ترحيل .. وبين هذين المنظورين، يضيع المعنى الحقيقي للشراكة بين الشمال والجنوب. فالهجرة ليست فشلًا للجنوب وحده، كما أنّ استقبال المهاجرين ليس عبئًا على الشمال وحده؛ إنّها نتيجة تاريخٍ مشتركٍ من التبادل غير المتكافئ، من الاستعمار القديم ومخلفاته إلى العولمة الجديدة وتأثيراتها. ولذلك فإن الحديث عن التعاون المتكافئ لا يمكن أن يظلّ خطابًا احتفاليًا في القمم، فالخطاب يجب أن يتحوّل إلى واقع ملموس، وإلى هندسةٍ تنمويةٍ تعيد توزيع الفرص بعدالة قبل أن تعيد توزيع البشر بأنانية.
إنّ القارّة التي يغادرها شبابها تفقد جزءًا من طاقتها الحيوية، لكن القارّة التي تغلق أبوابها تفقد جزءًا من روحها. فالحضارات تُبنَى بالتفاعل ولن تتقدّم بالعزلة. وليست الهجرة في جوهرها أزمة حدود، فغياب العدالة هو من يخلق الأزمات. وحين تصبح العدالة ممكنة في موطن الإنسان، تتحوّل الهجرة من ضرورةٍ قاسية إلى خيارٍ حرّ، ومن قارب نجاة إلى جسر معرفة مصداقا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ ..﴾ [ الحجرات: 13].
إنّ البحر المتوسط، الذي يُقدَّم اليوم كخطّ فصلٍ بين عالمين، كان في زمنٍ مضى فضاءً للحوار والتبادل. والمطلوب ليس أن نُلغِي الحدود، بل أن نُعيد تعريفها: أن تكون نقاطَ تنظيمٍ للحياة لا نقاطَ فرزٍ للقيمة الإنسانية. عندها فقط يمكن أن يتحوّل النقاش من سؤال “من يدخل؟” إلى سؤال “كيف نبني عالماً لا يُضطرّ فيه أحد إلى المغادرة؟”
وهكذا، فإنّ الإشكالية الآن ليست في الهجرة ذاتها، إنما الإشكالية تكمن في العالم الذي يجعلها قدرًا جماعيًا. فإذا أردنا معالجة الظاهرة، فعلينا أن ننتقل من سياسات الردع إلى فلسفة المنبع، في تنمية تخلق الأمل، وعدالة تعيد الثقة، وشراكة لا ترى في أفريقيا خزانَ يدٍ عاملةٍ ولا في أوروبا حصنًا مغلقًا، بل ترى في الضفتين فضاءً إنسانيًا واحدًا تتكامل فيه الطاقات كما تتكامل ضفّتا البحر.
وعند حدود الضفتين لا يغوص السؤال في بحر العبور، ولكن يطفو ليتساءل لماذا صار البحر هو الطريق الوحيد ؟!
فحين يصبح العدل وطنًا، تتوقّف القوارب عن أن تكون أقدارًا، وتعود الأوطان قادرةً على أن تحلم بأبنائها وهم باقون فيها لا هاربون منها.
اترك تعليقاً