وجهة نظر

مجلس السلام الترامبي

مجلس السلام الترامبي

في زمن الشراكات والتكتلات السياسية والإقليمية، يعد انضمام المغرب كعضو مؤسس إلى مجلس السلام الذي أنشأه ترامب مؤخرا وتوقيع وزير خارجيته على الميثاق التأسيسي للمجلس في مدينة دافوس بسويسرا بتاريخ 22 يناير 2026، أمرا يدعو صراحة إلى كثير من النقاش العمومي والاستفاضة في ذلك مع طرح الإشكالات والسياقات السياسية التي تحف الوافد الجديد، مع إبداء الرأي في أمر عميق وغاية في الأهمية لارتباطه بتاريخ هذا البلد ومصير أهله.

مبدئيا يعتبر الانضمام إلى هذا المجلس أو غيره أمرا محمودا ومستحسنا ما توفرت فيه شروط المنطق السياسي الوطني، على اعتبار أنه من الحصافة السياسية وعين العقل استحضار الجانب البراغماتي عند الانخراط في أي دينامية سياسية دولية قد تراعي أوقد تتجاهل الخصوصيات والثوابت الثقافية لبلادنا التي بدونها لن نعرف من نحن؟ وماذا نريد؟. وحتى إذا عدنا للنظر في عالم اليوم، نرصد تجليات الرغبة الكبيرة لدى الشعوب في إعادة النظر في مسألة ترميم وتقوية بناء الهيئات الأممية بما يستجيب ليس فقط للسياقات التاريخية الجديدة وإنما أيضا لطموحات المنتظم الدولي بحكم مسألة الاستعجالية التي تحف هذا الموضوع في وقت تتنامى فيه الخلافات الدبلوماسية والاعتداءات بين الدول. كما أن إنشاء مزيد من المؤسسات الأممية التي من المفترض أن تضع “كرامة الانسان” في صلب اهتماماتها وتضع مبدأ تحقيق السلام من أهدافها يعتبر دعوة صريحة لبناء أمل جديد للبشرية.

لكن يبدو أن المغرب في كل هذه الدينامية الجديدة قد جمع أمره بشكل حازم على أن “ينظر في علاقاته الخارجية مع الدول بعيني الصحراء المغربية” كما صرح بذلك العاهل المغربي محمد السادس في إحدى خطبه، وبالتالي من المفترض أن لدى الدبلوماسية المغربية اليوم رؤية واضحة وشاملة لمستقبل علاقة هذا البلد بغيره من دول العالم، تنبني على قواعد كلية توجه وتؤطر علاقاته بمحيطه الجيوسياسي. وإذا كان السياسي شديد الارتباط بالإقتصادي فإن بناء تكتلات اقتصادية اقليمية بديلة في مواجهة غيرها لا تؤمن إلا بالهيمنة وقوة الغزو الاقتصادي، يعتبر أيضا مسألة وجودية لبعض الدول ومنها المغرب.

نعتقد صراحة أن أمر الانضمام إلى “مجلس ترامب للسلام” بالنسبة للمغرب قد يكون إحدى القرارات المهمة والمفصلية في تاريخه السياسي لما سبق ذكره ولتمثله كمنعطف خطير في السياسة الدولية. فبداية بلدنا أهلٌ بأن يغشى كل المؤسسات السياسية والمنتديات والمنظمات الدولية كقوة اقتراحية، أو كمؤسس وفاعل سياسي قوي، في تفاعل إيجابي يعزز للمغرب ليس فقط مكانته الدبلوماسية بل أيضا يضمن إبلاغ صوته بنفسه للعالم وليس عن طريق فرنسا أو غيرها. وهذا جزء من الممارسة السيادية للدول. ولعل هذا ما ذهبت إليه دراسات ما بعد الكولونيالية للناقدة الأمريكية غياتري. ت. سبيفاك، حين عبرت في مقالها الشهير can the subaltern speak? “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” أن التابع يفقد قرار إبلاغ صوته بنفسه للعالم وبالتالي إسكاته جزء من تبعيته. فإذا كان التابع لا يستطيع إبلاغ صوته بحكم تبعيته الدائمة لوكيله المستعمر، فإن الانضمام لهذه المجالس والمنتديات الدولية هو فرصة تموقع جديد داخل النسق السياسي الدولي، وامتلاك للأهلية السياسية.

لكن دعونا في هذا السياق الجديد المختلق والطارئ على العالم والذي سيكون له ما بعده، أن نتسائل عن مصير المؤسسات والأجهزة الأممية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية سنة1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة. هل أصبحت الأجهزة الستة وعلى رأسها مجلس الأمن والمحكمة الدولية متجاوزة بحكم ما لاحظه العالم من عقمها الدبلوماسي وضعف مردوديتها السياسية؟ فهي لم توقف حربا ولم تفرض واقعا بموجب القانون الدولي وحتى المحكمة الدولية لم تعد آلية لفض النزاعات بين الدول ولعل قضية الحرب الاخيرة على فلسطين في غزة وعدم قدرة هذه المحكمة من ضبط وإحضار المتورطين في حرب الإبادة في غزة، ناهيك عن عجز المنظمة نفسها على فرض وقف إطلاق النار وفرض القرارات الاممية على الكيان المؤقت. أما عجزها التام عن إدخال المساعدات الدولية لقطاع غزة المنكوب لدليل إضافي ملموس على ضعف هذه الآليات. أما الملف المفتعل في الأقاليم المغربية في الصحراء فبقي عالقا لم يبرح مكانه في مكاتب أجهزة هذه المؤسسة لما يزيد عن نحو 50 سنة دون أن يجد حلا شافيا؟ وحتى إذا افترضنا إمكانية مد جسور التنسيق بين الامم المتحدة ومجلس السلام الترامبي كما يروج لذلك، فما شكل هذا التنسيق وما هي الآلية التي سوف تُعتمد في ذلك؟ ألا يمكن أن تدخل هذه المبادرة الترامبية في سياق ارتجالي مزاجي شاذ، مرتبط بدواخل الشخص وهواجسه فتسريبات وثائق “إبستين” فضحت كل شيئ ومازالت تجود كل يوم بما كان خفيا؟ أو لعلها ترتبط بسياق الثأر لفقدان جائزة نوبل للسلام وبالتالي فالرئيس الامريكي يحققها واقعا وبنفسه ضدا على أعضاء اللجنة النرويجية؟ وحتى إذا غيّبنا عقولنا وفهمنا وآمنا أن نوايا هذا المجلس حسنة، فما الحروب التي سوف يوقفها هذا المجلس ويفرض السلام إذا كانت أمريكا نفسها تنعم وتنتعش فيها ببيع وتصريف أسلحتها المتآكلة في المستودعات؟ ما الحرب التي سوف توقفها أمريكا وتفرض السلام على أطرافها المتنازعة وهي من يتنمر يوميا على الدول؟ فحرب روسيا ووكرانيا لم تتوقف رغم مجيء ترامب، بل أمريكا نفسها من كانت تدعم وكرانيا، لتنفض يدها من هذا الملف في آخر المطاف بعدما رجحت ضمان مصالحها مع روسيا على حساب دول أوروبا العجوز المتشرذمة والعاجزة عن فرض اتفاق للسلام أو حتى فتح حوار شجاع مع روسيا. لأن روسيا نفسها لم تعد تثق بأروبا لأسباب تاريخية ليس هنا المكان للتذكير بها. زيادة على ذلك لم تتوقف الحرب الإسرائيلية على غزة حتى يومنا هذا، بل أمريكا نفسها هي من كانت وماتزال تؤمّن دوام معاناة أهلنا في فسطين بدوام مد الكيان الغاصب بجميع أشكال الأسلحة والدعم اللوجيستي والاستخباراتي، فعن أي مجلس نتحدث وأي سلام ننتظر ومسألة فلسطين يجري تغييبها بكثير من التلاعبات السياسية الإسرائيلية والعربية؟ كيف يفترض نجاح مجلس سياسي للسلام بعد تشكيله من طرف شخص واحد، يستدعي له من يرضى عنه وفقا لشروط انخراط تشبه كثيرا تأسيس الجمعيات ووداديات الاحياء عندنا في المغرب؟ ألا يمكننا أن نستنبط أننا أمام نظام دولي جديد بمؤسسات جديدة أصبح يتشكل من حولنا ويجب أن نغنم فيه مند البداية فمن يدري لعلنا نحضى بحق الفيتو في مجلس الكبار هذا؟ وهل الدبلوماسية المغربية كانت لها قراءة براغماتية وواقعية كافية وشاملة مند البداية لهذا المشروع الدولي الأمريكي، فيتشجع بلدنا على الإنضمام بكل تلقائية واستعجالية؟ أم أن الأمر فقط مجاملة للرئيس الأمريكي بعد موقفه الإيجابي من قرار الحكم الذاتي وسيادة المغرب على كل أقاليمه الجنوبية في الصحراء،؟ وبالتالي أمام هذه البراديغما السياسية ستبقى رؤيتنا لعلاقاتنا مع العالم رؤية قاصرة وأحادية القطب إن ارتبطت بشكل مطلق بموضوع أقاليمنا في الصحراء دون سواها؟ وهل بهذا الإنضمام لمجلس السلام الترامبي اليوم يكون المغرب قد أدار ظهره للمؤسسة الأممية ولأجهزتها بشكل نهائي بعدما ظهر البديل؟ أم أنه يضع رجلا هنا ورجلا هناك فالحذق من لا يضع كل بيضه في سلة واحدة؟ وما حقيقة ما خرجت به الخارجية المغربية قبيل أيام قليلة من مشاركة مغربية مرتقبة لعناصر من الأمن الوطني في ضمان الأمن بغزة وبناء مستشفى ميداني في الوقت بدل الضائع، بعدما رفض الكيان العناصر التركية والباكستانية؟ تلكم هي الأسئلة الحارقة التي تحتاج لإجابات كافية داخل هذا البلد حتى تتشكل عندنا خارطة الطريق الواضحة المعالم قبل المضي في مشروع صهيوأمريكي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه مرفوض شعبيا، مبهم سياسيا ومتهور سلوكيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *