وجهة نظر

سؤال الشرعية أهم الأسئلة السياسية الأبدية (2)

من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية: مقاربة مقاصدية لإشكالية السلطة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر

في الفكر السياسي الإنساني عموما برزت مجموعة من الأسئلة السياسية التي شغلت الفكر الإنساني منذ القدم، والتي سبقت الأجوبة السياسية المختلفة عبر الزمان، “من حيث سعيها إلى إيجاد أجوبة عن ما ادعاه الأكاديمي الأمريكي “غيلين تيتدر”(ت 2014م) الأسئلة الأبدية في الفكر السياسي ، أي القضايا الكبرى التي شغلت فلاسفة السياسة منذ فجر التاريخ إلى اليوم، مثل ضرورة الاجتماع السياسي، ومصدر شرعية السلطة، والتوصيف الأخلاقي والقانوني للمنصب العام، وطرق تحقيق العدل بين الناس، وحرية الفرد في وجه السلطة، وحق الناس في مقاومة ظلم الحكام…” ، ولا يخفى على كل دارس أهمية طرح السؤال، فمن يحسن طرح الأسئلة يحسن الإجابة عنها، هنا تتجلى أهمية السؤال وموقعه المنهجي والمفتاحي في طرح مختلف الآراء والاجتهادات والنظريات المختلفة في شتى مناحي الفكر، وفي السياق الإسلامي نجد أن أمهات القيم السياسية الإسلامية تجيب إجابة مباشرة عن أهم”الأسئلة التي سعى فلاسفة السياسة لإيجاد أجوبة عنها منذ فجر التاريخ وإلى اليوم والتي من بينها: هل من حاجة أو ضرورة في الاجتماع الإنساني لوجود سلطة سياسية ابتداء؟ وما طبيعة هذه السلطة أهي هبة إلهية؟ أم أمانة مشروطة؟ أم ملكية مشروطة؟ وما الطريقة الشرعية لتقلدها؟ وما مصدر إلزام الناس بطاعتها؟

وقد حاول برهان غليون طرح أسئلة قريبة من هذه كتعبير عن مركزية هذه الأسئلة في العقل السياسي الإسلامي تاريخيا وحاضرا ، والمستخلص منها أنها أسئلة مرتبطة باختيار الحاكم، هل مرده لنخبة معينة أم مصدره جميع المواطنين؟ وما طريقة تحقيق ذلك؟ وهل ممارسة السلطة خاضعة لقواعد ثابتة متفق عليها أم هي متروكة لاجتهاد وهوى الحاكمين؟، وعلى مستوى تدبير السياسات هل سن القوانين وبلورتها شأن خاص بأولي الأمر أم هو مشاع بين كل المواطنين؟ وهل أقصى ما يستحقه ويحتاجه المجتمع السلم الأهلي والاستقرار وحفظ الأمن وبأي ثمن؟ أم أنه ينتظر أكثر من ذلك من حرية ومساواة وعدالة اجتماعية وتعليم وتنمية ..؟

ولبيان مركزية مسألة الشرعية في الحكم والسياسة، يقول الدكتور الريسوني: “لو اختفى لفظ الخلافة والخليفة من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقال ذرة ولا أصغر منها، ولكن إذا اختفى العدل والشورى وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى …وهذه كلها أركان وفرائض وعزائم قطعية معلومة مواضعها ومكانتها وأدلتها في الدين.” وهو ما عبر عنه كذلك المفكر الإسلامي عبد المجيد الصغير بالقول: “إن الهم السياسي الأكبر هو مشكل السلطة والشرعية، حيث ظل هاجسا كامنا ومكبوتا وراء الكتابات الفقهية والكلامية والفلسفية في الإسلام” إذن فشرعية الحكم أمر قطعي ومطلب شرعي ومكانتها معتبرة في الدين، فهي مقصد شرعي ثابت ومعتبر، ومطلب في العمق والمضمون، وليس مطلبا مرتبطا بالأشكال والآليات.

فالحديث عن شرعية نظام سياسي معين هو حديث عن استقرار ذلك النظام واستمراريته، لأنه لا استقرار ولا ثبات لأي نظام سياسي دون موافقة ورضا غالبية الشعب، فشرعية نظام سياسي ما، أحد أهم مقومات الدولة واستمراريتها، فالدولة التي ينبثق نظامها السياسي وفق الأطر المتوافق عليها محليا تكون أكثر استقرارا من غيرها والعكس صحيح. وليست الشرعية ضامنة استقرار النظام السياسي فقط، بل حتى استقرار المجتمع معه أي بات لزاما لتحقيق مقصد الاستقرار السياسي وما يرافقه من مصالح ومنافع دنيوية وأخروية، لا بدّ له من الشرعية كآلية لازمة وضرورية. علاوة على ذلك فشرعية النظام السياسي لأي دولة هو مصدر قوتها وفعاليتها داخليا وخارجيا وسندا لصد الأطماع الخارجية، فمثلا الحرب الدائرة اليوم على إيران رغم عدوانيتها وعدم مشروعيتها استنادا للقوانين الدولة نفسها، تظل امتحانا كبيرا لشرعية نظامها السياسي، فتماسك الجبهة الداخلية وصمودها والتفافها على نظامها رغم علاته يبقى صمام أمان وخط الدفاع الأول والأساسي ضد أي قوة عسكرية أو تحالف دولي، فالشعوب هي التي تحمي أنظمتها في وقت الشدة والأزمات وليس القوة المادية فقط كما علمنا التاريخ
فاختيار المواطن المشاركة في تدعيم أساس النظام والسلطة بتجاوبه ومبادرته والقيام بأمور إيجابية تعبر عن رضاه وقبوله للوضع العام بإرادة ذاتية وقناعة داخلية ومن دون أن يجد في ذلك حرجا ومن دون أن يشعر بالاضطرار، ومن دون أن يكون محكوما برهبةأو مدفوعا من جهة ما داخلية أو خارجية من ثمار الشرعية ونتائجها، وبالتالي تجنب الدولة والمجتمع معا البديل الوحيد المقابل للرضا والاختيار والشرعية، ألا وهو العنف والقهر والاستغلال والرعب المتبادل والفساد والاستبداد، لذلك يكون الخيار الأمثل لهذا المواطن هو المشاركة، أي”المشاركة في الثروة والسلطة، والمشاركة في بناء وحماية السلطة والنظام السياسي، طبعا بوجود الإرادة السياسية من الطرفين معا، باعتبار مفهوم الشرعية كإطار توافقي لتشكيل النظم السياسية، أمر فاعل ومؤثر وحاسم بشكل كبير في استقرار واستمرارية أي نظام سياسي، كما أن خلق الإحساس بالشرعية هو إحدى الوسائل المهمة لتنظيم تدفق التأييد العام لصالح السلطات ونظام الحكم وما ينتج عن ذلك من مصالح ومنافع.
والشرعية كذلك مؤشر للحكم على نجاعة سلطة سياسية ما، حيث يعتمد عليها المؤرخون والمتابعون عموما لتقييم وتقويم فترة سياسية تاريخية معينة. والشرعية هي الهاجس الذي يلازم الحاكم السياسي في كل الأحوال التي يستشعر فيها من نفسه ضعفا ومن خصومه قوة، فخطاب الشرعية هي ما به يكون التبرير عند ذلك الحاكم و بها يكون دفاعه عن نفسه، ومن ثم فهو جواب يبادر إلى إشهاره كلما أدرك الحاجة إلى إفحام الخصوم و المعارضين، أو رغب في إخماد تمرد، أو إسكات احتجاج.

يشار أن غياب الشرعية يعتبر من أهم مظاهر وتجليات الأزمة التي تعانيها معظم دول العالمين العربي والإسلامي. فغياب ضوابط واضحة ومتوافق عليها، تؤسس لقواعد العمل السياسي في منطلقه أولا، ويحدد أسس الشرعية واتجاهها، وما يتبع ذلك من ضوابط حاكمة للعملية السياسية، وما يترتب عنها من قرارات وتدابير، يشكل مدخلا لكل الأزمات والمشاكل السياسية داخليا وخارجيا. لذلك “لا يملك أي نظام سياسي أن يستغني عن حاجته إلى الشرعية حتى وإن كان نظاما غير شرعي في عرف السياسة المدنية الحديثة”.

فالشرعية إذن قاعدة في الحكم ومؤشر في صحته وليست مجرد صفة موجودة أو غائبة، بل هي عملية لها مجراها ودينامكيتها المبنية على قواعد متفق عليها مسبقا، وبين الشرعية واللاشرعية درجات، ويمكن للسلطة أن تفتقر إلى الشرعية، كما أنها يمكن أن تحقق فائضا للشرعية، فهي تزيد وتنقص.

وعموما فالشرعية “مدار القول في السلطة السياسية، أيا كانت الجهة التي يكون منها النظر إلى تلك السلطة …حيث ظهر خطاب الشرعية السياسية أول ما ظهر عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم …ويمكن القول بأن تاريخ الوجود السياسي في الإسلام منذ الخلاف الأول في سقيفة بني ساعدة إلى الأزمة الحديثة كان تاريخ صراع على السلطة، بدعوى التوفر على الشرعية التي يفتقدها الخصم” لذلك أصبحت “من أولويات القضايا في كل سلطة ضرورة معالجة مشروعيتها، وتأسيس شرعيتها، مع محاولة نفي تشخيص تلك الشرعية في فرد معين أو فئة متميزة” . إذا تجلت أهمية الشرعية من خلال ما سبق، فما مفهوم الشرعية؟ وما علاقته بمفهوم المشروعية وما علاقتهما معا بمفهوم السلطة السياسية الراشدة والحكم الراشد؟ تلكم أسئلة وأخرى نجيب عنها بحول الله في المقال الثالث ضمن هذه السلسلة. والله ولي التوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *