منتدى العمق

حين يخون الضمير…

الثقة تُبنى على قواعد صلبة، لكن أحياناً تتسلل إليها الشقوق بصمت، فتبدأ الخيانة في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن كل شيء تحت السيطرة؛ الحقيقة دائماً تتسلل، لتكشف النقائص وتبرز الخطر الكامن خلف الولاءات الزائفة. فليست كل الهزائم تُولد في ضجيج المعارك، ولا تبدأ دائماً مع أول صاروخ يعبر السماء أو أول دبابة تتقدم في الميدان. كثير من الهزائم تبدأ في مكان أكثر هدوءاً وخفاءً .. في لحظة ضعفٍ داخل الإنسان، حين يختل ميزان الضمير، فيتحول صاحب الأمانة إلى بوابة مفتوحة لكل اختراق. وحين يحدث ذلك، تصبح الدول ـ مهما أحاطت نفسها بالرادارات والقلاع الإلكترونية ـ كجسدٍ ضخمٍ يتآكله خلل صغير في داخله.

لقد أظهرت الوقائع في عالم الاستخبارات المعاصر أن أخطر الثغرات لا تكون دائماً في القواعد العسكرية أو غرف القيادة، لربما تتسلل داخل مناطق الثقة التي لا يتوقعها أحد. فالثقة، تلك القيمة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية والمهنية، يمكن أن تتحول ـ إذا انكسرت ـ إلى أخطر نقطة ضعف في منظومة الأمن بأكملها.

مؤخرا .. تداولت تقارير وتحليلات عديدة في الإعلام الدولي والدوائر البحثية الحديث عن اختراقات أمنية معقدة طالت المنظومة الإيرانية، حيث تمكنت أجهزة استخبارات أجنبية، وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي، من الوصول إلى معلومات حساسة تتعلق ببعض القيادات العسكرية والأمنية داخل إيران. وقد كشفت هذه الوقائع ـ في جوهرها ـ أن الاختراق لا يبدأ دائماً من الحدود أو من الأقمار الاصطناعية، بل قد يبدأ من داخل شبكة الثقة نفسها التي تحيط بالقيادات.

تشير بعض الروايات والتحليلات التي جرى تداولها في سياق هذا الحديث إلى أن الاقتراب من الدائرة الضيقة للقيادات الايرانية قد تجاوز تلك الطرق التقليدية إلى استهداف الحلقة الأكثر حساسية في حياتهم اليومية: الأطباء .. نعم، إنهم الأطباء الذين يتولون علاج كبار المسؤولين. ففي تلك المساحة التي يُفترض أنها بعيدة عن السياسة، حيث يضع الإنسان صحته بين يدي طبيب يثق به ثقة مطلقة، يمكن أن تتحول الثقة نفسها إلى مدخل خطير للاختراق إذا انكسرت الأمانة.

في إحدى الصور التي رُويت عن طبيعة هذه الاختراقات، يُقال إن بعض الأطباء الذين وجدوا أنفسهم تحت ضغط الابتزاز أو الإغراء المالي تورطوا في ما يمكن وصفه بعمليات زرع صامتة. ففي الوقت الذي كان فيه القادة السياسيون والعسكريون الايرانيون يخضعون لفحوصات روتينية، كان الأطباء المجندون يمارسون ما يشبه فن الزرع الصامت؛ أثناء حشو الأسنان أو جراحات اللثة، زُرِعت شرائح تتبع مجهرية متطورة جداً (Micro-chips)، صُممت لتبدو وكأنها جزء طبيعي من المواد الطبية المستعملة في العلاج. ولم يقتصر الأمر ـ وفق تلك الروايات المتداولة ـ على طب الأسنان فحسب، بل إن بعض أطباء الجهاز الهضمي قاموا خلال عمليات التنظير الروتينية بزرع أجهزة مشابهة، لتتحول أجساد بعض المسؤولين الايرانيين ـ دون علمهم ـ إلى ما يشبه رادارات متحركة تبث مواقعها بدقة إلى أنظمة المراقبة التابعة للاستخبارات المعادية.

وفي لحظة ما من لحظات الصراع، حين حان وقت المواجهة، تحولت تلك الإشارات الصامتة إلى إحداثيات دقيقة. لم تعد هناك حاجة إلى شبكة كبيرة من المخبرين على الأرض؛ كانت الخريطة أمام غرف العمليات تشتعل بالنقاط الحمراء التي تحدد مواقع القيادات بدقة المليمتر. وفي غضون دقائق معدودة، انهمرت الضربات والصواريخ والمسيّرات على مواقع محددة بعناية، فسقط عدد من القادة العسكريين الكبار من الجانب الايراني. لقد بدا المشهد وكأن الهجوم جاء من الخارج فقط، بينما الحقيقة الأعمق ـ كما توحي تلك الروايات ـ أن الخلل كان قد بدأ منذ سنوات في الداخل، في لحظة خيانة صغيرة على كرسي طبيب.

قد يختلف المحللون حول دقة كل تفاصيل هذه الروايات، فالعالم الاستخباراتي بطبيعته مليء بالغموض والتضليل، لكن الدرس الذي تكشفه هذه القصص يبقى واحداً: حين يضعف الضمير داخل أي منظومة، يصبح الاختراق ممكناً مهما بلغت قوة التحصينات التقنية.

ومن هنا يتضح أن أمن الدول لا يُبنى بالصواريخ والأنظمة الإلكترونية وحدها، إنما الأمن يُبنى أولاً بسلامة الضمير داخل مؤسساتها. فالجندي الذي يحرس الحدود، والموظف الذي يحمل وثيقة سرية، والطبيب الذي يضع يده في موضع الثقة المطلقة… كل هؤلاء يشكلون شبكة الأمان الحقيقية لأي دولة. وإذا انكسرت حلقة واحدة في هذه الشبكة، قد يصبح الجدار كله بلا معنى.

غير أن الدرس لا يتوقف عند حدود تلك الوقائع البعيدة. فكل وطن، مهما كان مستقراً، يظل معرضاً لنوع آخر من الاختراق، ليس تقنياً ولا استخباراتياً فحسب، فقد يتعلق الأمر بما هو فكري وسياسي أيضاً. ذلك النوع الذي يبدأ حين يظهر في المجتمع من يضع ولاءه خارج وطنه، أو من يتبنى خطاب خصوم بلده وكأنه يتحدث باسمهم.

في مجتمعنا المغربي كثيراً ما وُصفت حالة خونة الداخل بعبارة شعبية بليغة: “يأكل الغلة ويسب الملة” أي يعيش بين ظهرانينا ومن خيرات الوطن، لكنه لا يتردد في الطعن فيه أو الاصطفاف مع خصومه. إنها صورة من صور الازدواجية التي تجعل الإنسان يعيش جسداً في وطنه وقلباً في مكان آخر.

والأمم التي تعرف تاريخها تدرك أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائماً من الجيوش القادمة من وراء الحدود، إنما الخطر الكامن قد يأتي أحياناً من خطاب يتسلل في الداخل، يبرر لأعداء الوطن، أو يقلل من شأنه، أو يزرع الشك في ثوابته. فالفكرة قد تكون أحياناً أخطر من السلاح، لأنها تتحرك بلا ضجيج وتنتشر بلا حدود.

لهذا فإن كل مجتمع يحتاج دائماً إلى يقظة أخلاقية قبل أن يحتاج إلى يقظة أمنية. تلك اليقظة التي تميز بين النقد المشروع الذي يقوي الأوطان، وبين الاصطفاف الذي يضعفها. فحب الوطن لا يعني إغلاق العقول، لكنه أيضاً لا يعني أن يتحول الإنسان إلى صدى لأصوات لا تريد الخير لبلده.

إن الوطن قبل أن يكون أرضا نسكنها، هو عقد أخلاقي غير مكتوب بين الإنسان والمجتمع الذي منحه الانتماء واللغة والذاكرة. ومن يكسر هذا العقد فهو يضرب المجتمع برمته ويضعف ذلك النسيج الذي يربط الناس بعضهم ببعض.

وهكذا تعود بنا القصة إلى حقيقتها الأولى: كل اختراق كبير يبدأ من الداخل .. قد يبدأ من ضمير يلين أمام المال، أو من عقل ينجذب إلى دعاية خارجية أو من قلب مريض تستهويه أضواء الغرور، أو من إنسان ينسى أن الانتماء ليس شعاراً بل مسؤولية.

وحين يحدث ذلك، تصبح الرادارات عديمة الجدوى، لأن الخلل لم يعد في السماء… بل في النفوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *