الحمام المغربي بين الموروث الثقافي والشهرة الدولية
يحتل الحمام مكانة خاصة في الذاكرة والوعي الجمعي المغربي، حيث شكل بطاقة تعريف لتراث البلد وتقاليده وخصوصيته الثقافية في عيون الخارج. إذ لا يفوت كثير من زوار المغرب، سواء للسياحة أو العمل، فرصة الاستمتاع بتجربة الحمام المغربي، الذي اكتسى شهرة عربية وعالمية. ولأن صيته ذاع إلى خارج الحدود، ذهب مستثمرون إلى فتح حمامات مغربية في دول عديدة كالسعودية والإمارات وفرنسا وبلجيكا. لكن المفارقة أنه في الوقت الذي أصبح للحمام المغربي هذه الشهرة الدولية، يلاحظ تراجع ملفت في عدد الحمامات التقليدية بالعديد من المدن المغربية، خاصة بالدار البيضاء، حيث تناقص عددها بشكل مهول إما بسبب الإغلاق أو الهدم، في الوقت الذي تنامت فيه ما أصبح يسمى بالحمامات التركية أو بعض الحمامات العصرية التي تنعت بالسبا.
الحمام كموروث ثقافي
يختزن الحمام البلدي عمقا متجذرا في تاريخ المغرب العريق. إذ شكلت الحمامات الرومانية في المغرب جزءاً مهماً من التراث الأثري الممتد من العصور القديمة. فالحمام المغربي له جذور ضاربة في القدم في التاريخ، ممتدة لعهد الرومان في شمال إفريقيا. فقد اصطحبوا، خلال وجودهم بالمنطقة في القرنين الأول والثاني للميلاد، أنماط معيشتهم وطرائق بنائهم للمدن التي شيدوها، حيث كانت الحمامات أحد أبرز معالمها. وهكذا تركزت جل هذه الحمامات الرومانية بشكل بارز في المواقع الرومانية الشهيرة مثل وليلي بالقرب من مكناس، التي تضم بقايا حمامات رومانية قديمة تعود للقرن الأول الميلادي، والتي تعد من أهم المعالم التاريخية والمعمارية التي تجذب الزوار، وشالة في الرباط، حيث كشفت الأبحاث الأثرية الحديثة (2023-2025) عن مجمع حمامات رومانية ضخم يمتد على مساحة 4000 متر مربع، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويضم أحواضاً ومناطق للاسترخاء. وليكسوس، الذي يحتوي على آثار حمامات رومانية تشهد على التأثير الروماني في منطقة العرائش… وتعكس هذه الحمامات تقنيات البناء الرومانية المتقدمة، حيث تتكون من غرف للماء الساخن والبارد، واعتماد نظام تسخين تحت الأرض، وغرف للتبريد والتدليك، وكانت بمثابة مراكز للاستحمام والتواصل الاجتماعي. وبالتالي تعتبر الحمامات الرومانية الأساس التاريخي الذي تطور منه الحمام المغربي التقليدي الحالي، الذي حافظ على طقوس التطهير والاسترخاء بما فيها طريقة التكسال التي تقوم على جر الأطراف بشكل يذكر بالتهيئة البدنية للمصارعين في روما.
إذ يعود تاريخ الحمام المغربي التقليدي إلى القرن العاشر الميلادي، وتطور كدمج بين الحمامات الرومانية القديمة والتقاليد الإسلامية (الأندلسية)، ليصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الاجتماعية والدينية. وقد أُنشئت أولى الحمامات بعهد الأدارسة في فاس خلال حكم الأمير يحيى بن محمد بن إدريس في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، الذي أمر ببناء الحمامات والفنادق للتجار، وتوسعت بشكل كبير في عهد المرابطين مع الأمير يوسف بن تاشفين، حيث يعد حمام مدينة أغمات من أقدم الحمامات، والتي كانت تعد كمعلمة للنظافة والصحة. وقد ازداد عدد الحمامات في عهد المرابطين، وتحديدا في عهد يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، إذ بدخوله مدينة فاس أمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين المدينتين عدوة القرويين وعدوة الأندلس وصيرهما مصرا واحدا وحصنهما، وأمر ببناء المساجد في شوارعها وأزقتها، وأي زقاق لم يجد فيه مسجدا عاقب أهله، وأمر ببناء الحمامات والأرجاء، فكان إنشاء الحمامات من أولويات هذا الأمير، إذ ارتبطت ببيوت العبادة لأن “الدولة المرابطية كانت دولة دينية، وبالتالي فالطهارة هي إحدى أهم أسس الدين الإسلامي الذي قامت عليه”. كما ساهم الموريسكيون في تطوير نظام الحمامات ونقله للمدن المغربية بحلول القرن الـ13، حيث كان الحمام يجاور المساجد، بينما كانت تستعمل فيه أدوات التنظيف التقليدية كالغاسول والصابون البلدي و”الكيس” والحجرة، وكلها أدوات محلية.
ويُعد حمام “الشيكي”، بحي الحبوس بالدار البيضاء، وحمام آخر يحمل نفس الاسم “حمام الشيكي” في درب غلف، من أقدم الحمامات في الدار البيضاء، والذي تم بناؤه منذ أكثر من 100 سنة. كما يعد حمام النزالة بالمدينة القديمة، هو الآخر، من أقدم حمامات الدار البيضاء، حيث تم تشييده سنة 1829. كما أن هناك حمامات في المدن العتيقة كفاس يعود تاريخها إلى قرون مضت، ومنها حمام الصفارين، الذي يعد هو الآخر مثالا بارزا على الحمامات التاريخية التي لا تزال قيد الاستخدام، حيث يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر خلال فترة المرينيين، ويقع بالقرب من ساحة الصفارين، مقابل مدرسة الصفارين وجنوب جامع القرويين، حيث يشتهر هذا الحمام بتصميمه المعماري التقليدي، الذي يتميز بالقباب المثقوبة التي تسمح بدخول الضوء الطبيعي، والزخارف الجصية، والبلاط الزليج.
الحمام كموروث اجتماعي
يظل الحمام المغربي اليوم “ثابتاً” اجتماعياً لا يستغني عنه المغاربة في المدن والقرى. فالحمام المغربي لم يكن مجرد مكان للاستحمام، بل شكل جزءا معماريا واجتماعيا في كل مدينة مغربية. فقرب المسجد كان يحاذيه الحمام المغربي وفرن شعبي، وحولهما تتراص على الجنبات البيوت والسواقي، وترتفع الأسوار وأبوابها، في نمط عمارة لا يعكس وظائف مرافق المدينة فقط، بل يرمز أيضاً لثقافة أهلها وعاداتهم.
فالحمام العمومي، بما يشكله في مخيال الثقافة العربية الإسلامية من إحالة على الطهارة والنقاء الجسدي الذي يبلغ به المسلم صفاءه الروحي، سيكون له مع دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا موقع خاص في قلب كل المدن، لكن لحظة الاحتفاء به وشيوع بنائه والإبداع في تصاميمه كانت، بحسب معظم الروايات التاريخية، لحظة أندلسية خالصة. فقد جاورت الحمامات المساجد في مدن الأندلس، وهناك صارت جزءاً من سرديات التاريخ في الغرب الإسلامي، ونمطاً مورسكياً فريداً في الاحتفاء بالجسد والحياة والصلات بين الطقوسي الشعبي والديني المقدس.
كل هذا الإرث سيستجلبه الموريسكيون معهم في رحلة فرارهم من الأندلس واستقرارهم بحواضر المغرب منذ القرن الثالث عشر، والتي سيصير الكثير منها، حسب مؤرخين، عبارة عن محاكاة لمدنهم التي غادروها مكرهين. هكذا حجز الحمام التقليدي لنفسه في المدينة المغربية والثقافة الشعبية ركناً أصيلاً، صمد في وجه التحولات المتسارعة التي شهدها المجتمع المغربي. وإلى اليوم يكاد لا يخلو حي من أحياء المغرب، الشعبية والراقية، من الحمام العمومي، بل إنه جزء من مورفولوجية المدن المغربية العتيقة.
فعلى الرغم من التحولات الثقافية والمجتمعية، فقد حافظ الحمام العمومي على مكانته ورمزيته كطقس جماعي، خاصة في الأحياء والمناطق الشعبية، والتي تبرز في المناسبات والاحتفالات الفارقة، خاصة في حياة المرأة. ففي المخيال الجمعي يرتبط الحمام كطقس مرتبط بشكل وثيق بالمرأة المغربية أكثر من الرجل، فقد ظل الحمام التقليدي نقطة عبور لا بد من المرور بها. إذ تقصد العروس الحمام قبل يوم زفافها، والأم أياماً بعد ولادتها، وبين جدرانه لا تتم عملية الاغتسال فقط، بل تستدعى العادة والخرافة وتمارس المعتقدات الدينية والشعبية، ويكون الحمام فصلاً لا بديل عنه، لا تكتمل الاحتفالية إلا به.
فقبل حفل الزفاف كان يتم كراء الحمام من طرف أهل العروس، فتجري فيه طقوس متفردة ومتعددة، إذ يتم إشعال الشموع وتعطير القاعات بالبخور، وطلاء شعر وجسم العروس بالزيوت المرطبة، وتخرج بعد الاستحمام وسط النساء من العائلة والجارات والصديقات مصحوبة بالزغاريد والأهازيج الشعبية الخاصة بالمناسبة. وفي ازدياد المولود يسمى “حمام النفيسة”، ويقام غالباً في اليوم السابع بعد الولادة، حيث تذهب الأم إلى الحمام مع رفيقاتها وأهلها ويشعلن الشموع تعبيراً عن الفرح والأمل في غد جديد لها ولمولودها، ويستعمل البخور للتعطير وحمايتها من الحسد كما يعتقدن.
ولعل هذا الرابط الوثيق الذي نسجه المغاربة مع الحمام التقليدي، على مر السنين، جعله خلال تفشي وباء كورونا محل اختبار ومساءلة. فقد استشعر المغاربة أن الوباء ليس قادراً فقط على تهديد حياتهم وأرزاقهم، بل إنه يستطيع أن ينفذ لكل تفاصيل معيشهم، ويحول بينهم وبين الحمام العمومي الذي أوصدت السلطات أبوابه في الكثير من المدن في إطار إجراءاتها الاحترازية ضد الوباء. وبالتالي، فرغم أنماط العمارة الجديدة التي توفر للأسر فضاءات خاصة للاستحمام، ورغم المحاذير المتزايدة من خطورة الاختلاط بالآخرين في زمن الوباء الذي صار الكل يمثل تهديداً محتملاً ضد الكل، تعالت أصوات، لا في صفوف العاملين في هذا القطاع من المتضررين فقط، بل في أوساط الكثير من النساء والرجال أيضاً، ممن تجاسروا وكسر بعضهم حظر السلطات، وتكبدوا عناء الانتقال لمدن سُمح فيها بفتح الحمامات العمومية ليتمكنوا من ممارسة طقوسهم الأسبوعية والاغتسال في حمام فسيح، حيث كان البعض من ساكنة الدار البيضاء ينتقل إلى برشيد أو بعض مدن الضواحي ليغتسل في الحمامات التي بقيت مفتوحة بهذه التجمعات السكنية الطرفية.
الحمام التقليدي بين منافسة الحمامات التركية وارتفاع تكاليف التشغيل
تواجه الحمامات التقليدية خلال العقود الأخيرة تراجعاً وهدماً متزايدين نتيجة منافسة الحمامات التركية وارتفاع تكاليف تشغيل هذه الحمامات التقليدية.
ارتفاع تكاليف التشغيل
عانت الحمامات التقليدية خلال العقود الأخيرة من مشكلتين بنيويتين تتمثلان خاصة في عدم إقبال الكثير من المغاربة على الحمام الشعبي بشكل منتظم نظرا للتحول الكبير الذي عرفته المساكن العصرية التي أصبحت تضم حمامات خاصة. فتوفر الحمامات والرشاشات (الدوش) في المنازل العصرية قلل من الإقبال على الحمامات العمومية، بالإضافة إلى النظرة السلبية التي أصبح ينظر بها للحمامات التقليدية التي أصبحت لا تتوفر، في نظرهم، على كل شروط النظافة والراحة. لكن إلى جانب هذا العامل هناك عامل آخر يرتبط بارتفاع تصاعدي في تكاليف تشغيل الحمامات الشعبية، في الوقت الذي ما زالت فيه السلطات المحلية تحرص على تسعير محدد لولوج الحمامات التقليدية، والذي ما زال يتعدى 15 درهما في أغلب المدن بقرارات بلدية.
وبالتالي، فمن أبرز أسباب تراجع وهدم الحمامات التقليدية تتمثل في أزمة ندرة المياه والإجهاد المائي، خاصة في فترة الجفاف، مما دفع السلطات لإغلاق الحمامات التقليدية ومحلات غسل السيارات 3 أيام في الأسبوع (الإثنين والثلاثاء والأربعاء) في عدة مدن. كما تزايدت أعباء أرباب الحمامات بسبب ارتفاع أسعار خشب التدفئة ومواد الطاقة، مما قلل من هوامش الربح وساهم في إفلاس بعضها. في حين تسببت جائحة كورونا في متاعب مالية كبيرة وأدت إلى ركود تجاري طويل، مما جعل العودة لممارسة النشاط المهني صعبة، واضطر بعض الملاكين، بسبب الأزمات المالية المتتالية، إلى إغلاق الحمامات وهدمها أو تحويلها إلى مشاريع سكنية أو تجارية أخرى على غرار ما تم مؤخرا بالنسبة لحمام طارق. بالإضافة إلى أن النزاعات القائمة بين بعض ورثة أرباب هذه الحمامات أوقفت العمل ببعضها، كما حصل لحمام بوسبير أو حمام الرياض وغيره.
منافسة الحمامات التركية
أشارت بعض الآراء إلى أن تردي النظافة في بعض الحمامات أدى إلى عزوف الزبائن، الشيء الذي استغل من طرف بعض ملاك الحمامات التركية لاستقطاب فئات واسعة من هؤلاء الزبائن، حيث انتشر خلال السنين الأخيرة بناء حمامات تركية خاصة بالمدن الكبرى كالدار البيضاء وغيرها. فقد أصبح الحمام التركي يعتبر لدى هذه الفئات من المغاربة مركزاً للاسترخاء وجزءاً من الروتين الصحي، حيث عادة ما يُستخدم لاستعادة النشاط بعد يوم طويل، ويساهم في تحسين الدورة الدموية وتخفيف التوتر.
خاصة وأن بنية الحمام التركي تتميز بتصميمها المعماري، حيث يحتوي على غرف مخصصة للساونا والاسترخاء. تتكون عادة من قبة كبيرة يتوسطها حوض ماء كبير، مع وجود جدران من الرخام الذي يساعد في المحافظة على درجة الحرارة العالية. كما تستخدم الإضاءة الناعمة لإضفاء جو من الاسترخاء. وبخلاف الحمام المغربي الذي يركز على التقشير العميق باستخدام الصابون الأسود والطين (الغاسول) والكيس المغربي لتنظيف البشرة بعمق، يعتمد الحمام التركي على البخار الكثيف والتدليك الرغوي للاسترخاء وتنشيط الدورة الدموية.
إذ يعد الحمام التركي طريقة رائعة لتحسين الصحة العامة، حيث يساعد البخار الساخن في فتح المسام وتنظيف البشرة بعمق، كما يعزز من استرخاء العضلات، ويعتبر أيضاً مفيداً للتخلص من السموم عبر العرق، مما يشعر الجسم بالنشاط والانتعاش. في حين يتميز الحمام المغربي بفوائد صحية عديدة تتمثل في تحسين صحة البشرة من خلال استخدام الغاسول المغربي الغني بالمعادن الذي يعزز من مرونة الجلد ويساعد في إزالة خلايا الجلد الميتة، كما يساعد الحمام المغربي على تحسين الدورة الدموية ويعطي إحساساً بالراحة النفسية والجسدية.
غير أن الاختلاف بين الحمامين لا يهم فقط الجانب التنظيفي والصحي، بل إن الأمر يعكس في العمق منظورا ثقافيا واجتماعيا مختلفا. فتاريخ الحمام التركي الذي يمتد لأكثر من 1000 عام ليس فقط مبنى للاسترخاء والنظافة، بل له مكانة بارزة في الثقافة التركية بمختلف خصوصياتها الفكرية والدينية والاجتماعية، تختلف بلا شك عن المنظور التاريخي والثقافي والاجتماعي والرمزي الذي يختزنه الحمام المغربي. فهذا الأخير هو قبل كل شيء نمط حياة وذاكرة جمعية وأسلوب في العيش، مما يستوجب الحفاظ على هندسة الحمامات المغربية التي تتسم بجمال تصميمها المعقد، الذي يشمل الألوان الزاهية والزخارف التقليدية، ومنطقة الاستحمام التي تتضمن حوض استحمام منصوب بطريقة تسمح بوصول البخار والزيوت العطرية. كما أن الأركان المخصصة لعلاج البشرة بطرق طبيعية تجعل تجربة الاستحمام بالحمامات المغربية مريحة وممتعة.
من هنا ضرورة إعادة تطوير هذه الحمامات بشكل يستعيد استقطاب الزبناء، وذلك من خلال إدماج هذه الحمامات التقليدية في القطاع الاقتصادي المهيكل، من خلال اللجوء إلى إعفاءات ضريبية تسهل عملية الاستثمار في هذه الحمامات وتصنيفها وفق مواقعها وأحجامها ومستوى وطبيعة خدماتها، مع تحسين الوضع القانوني للعاملين والعاملات بهذه الحمامات التقليدية التي تعد ملاذ كثيرين لكسب قوت يومهم. إذ رغم مشاق الأعمال التي يقومون بها والمخاطر الصحية التي قد يتعرضون لها بسبب خطر الأمراض التي يسهل انتقالها في مكان مغلق وحار، فإن أجورهم تبقى زهيدة وغير منتظمة، مما يفرض العمل على إدماجهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على غرار باقي الأجراء.
وعموما فالحمام المغربي سيظل جزءا لا يتجزأ من الثقافة المغربية، فهو ليس مجرد مكان للاستحمام، بل طقس اجتماعي يعكس عمق التقاليد والعادات التي تناقلها المغاربة عبر الأجيال. فبالرغم من تطور أنماط الحياة وظهور البدائل العصرية، فلا يزال الحمام التقليدي يحظى بمكانة خاصة في قلوب المغاربة، وعلاقتهم به لم تنفصم. إذ رغم تطور المرافق الحديثة المتمثلة في الحمامات التركية أو بعض صالونات الاسترخاء أو ما يسمى بالسبا، فما زال المغاربة يقصدونه للاستمتاع بطقوسه الفريدة التي تجمع بين التدليك والتقشير، وما يستعمل فيه من مواد طبيعية لا يعرف أسرارها سوى المغاربة، ومن بين هذه المواد: زيت الأركان، الصابون البلدي المكون من زيت الزيتون، الغاسول المستخرج من جبال الأطلس، والكيس المغربي، بالإضافة إلى الأيادي المغربية المتمرسة في فن التدليك والعناية.
فكل سائح زار مدن المملكة عادة ما يمر من تجربة الحمام المغربي المدهشة والجديدة بالنسبة إليه، كما تستغل المجمعات السياحية شهرته لبناء حمامات تقليدية إلى جانب “السبا” الحديث لجذب السياح ومرتادي هذه المؤسسات، حيث تحرص هذه المجمعات على توفير حمام مغربي أصيل يمنح الزوار شعورا بالانتعاش والراحة بفضل طقوسه الفريدة.
من هنا ضرورة الحرص، ضمن الثروة الوطنية اللامادية، على العمل على تطوير الحمامات المغربية وفرض تخصيص حيز عقاري لبنائها إلى جانب المسجد والفرن والسوق ضمن كل التجمعات السكنية الشعبية العصرية والحديثة، مع إمكانية بناء مجمع حمامي يضم، إلى جانب الحمام المغربي الشعبي التقليدي، حماما عصريا سواء كان تركيا أو غيره، لكن بشرط الاحتفاظ بهندسة الحمام التقليدي بغرفه الثلاثة وأدوات الاستحمام من قراقب خشبية وتكسيل ومواد الغسل من صابون بلدي وغاسول وكيس… بالإضافة إلى ضرورة التعبئة والعمل على تسجيل الحمام المغربي ضمن التراث العالمي على غرار الزليج والتبوريدة وغيرها من مظاهر الموروث المغربي العريق الغني والمتنوع.
اترك تعليقاً