مريم الزعيمي: حرباء التلفزة المغربية بين تعدد الأدوار ونضج الأداء في “عش الطمع”
في مشهد درامي مغربي يتسم بتسارع الإنتاج وتنوع التجارب، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تفرض حضورها ليس فقط بالاستمرارية، بل بقدرتها على التحول والتجدد. ومن بين هذه الأسماء، تكرّس مريم الزعيمي مكانتها كواحدة من أبرز “حربائيات” الشاشة الصغيرة، بفضل قدرتها اللافتة على التنقل بين الأدوار، وتقمص شخصيات متباينة بعمق وإقناع.
من أعمال سابقة جسدت فيها شخصيات قوية ذات امتدادات اجتماعية ونفسية، إلى حضورها في مسلسل “عش الطمع”، تثبت الزعيمي أنها ممثلة تراكم خبرة نوعية، لا تعتمد فقط على الحضور أو الكاريزما، بل على أدوات فنية دقيقة وصقل مستمر لقدراتها التعبيرية. فقد استطاعت أن تبني مسارًا دراميًا قائمًا على التنوع، ما جعلها تدخل ضمن “المقارنة الأصعب” بين ممثلات جيلها، ليس من حيث الشهرة فقط، بل من حيث الجودة الفنية والقدرة على الإقناع.
في “عش الطمع”، تقدم مريم الزعيمي أداءً يرقى إلى مستوى النضج الدرامي المتكامل، حيث يظهر تحكمها الواضح في تفاصيل الشخصية، من خلال الاشتغال على الانفعالات الدقيقة، وتوظيف لغة الجسد بشكل واعٍ، إضافة إلى قدرتها على التنقل السلس بين الحالات النفسية المتباينة. هذا الأداء لا يقوم على المبالغة أو الاستعراض، بل على اقتصاد تعبيري محسوب يمنح للشخصية مصداقية أكبر ويجعلها قريبة من المتلقي.
ما يميز الزعيمي في هذا العمل هو قدرتها على خلق توازن دقيق بين البعد الواقعي والبعد الدرامي للشخصية، بحيث لا تسقط في التنميط أو التكرار، بل تقدم قراءة خاصة لكل دور تؤديه. هذا الحس التأويلي للشخصيات يعكس وعيًا فنيًا متقدمًا، ويؤكد أن الممثلة لا تكتفي بتلقي النص، بل تعيد إنتاجه من داخل تجربتها الخاصة.
كما أن نجاحها في “عش الطمع” لا يمكن فصله عن انسجامها مع باقي عناصر العمل، خاصة الإخراج وبنية السيناريو، غير أن حضورها ظل عنصرًا حاسمًا في شد انتباه المشاهد، وفي منح العمل بعدًا إنسانيًا أعمق. فقد استطاعت أن تجعل من الشخصية التي تؤديها مرآة لصراعات داخلية معقدة، تتقاطع فيها الرغبات مع القيود الاجتماعية، وهو ما يعكس قدرة عالية على الغوص في أعماق النفس البشرية.
إن توصيف مريم الزعيمي بـ”الحرباء” ليس توصيفًا مجازيًا فقط، بل هو اعتراف ضمني بمرونتها الفنية وقدرتها على التلون داخل أدوار مختلفة دون أن تفقد هويتها كممثلة. فهي تنجح في كل مرة في إعادة تشكيل نفسها وفق متطلبات الدور، مع الحفاظ على خيط رفيع من الخصوصية الفنية التي تميزها.
في المحصلة، يكرس حضور مريم الزعيمي في “عش الطمع” فكرة أن التمثيل ليس مجرد أداء، بل هو بناء متكامل للشخصية، يقوم على الوعي، التجربة، والقدرة على التجدد. وهو ما يجعلها اليوم واحدة من الأسماء التي ترفع سقف المنافسة داخل الدراما المغربية، وتفتح أفقًا أوسع لنقاش جمالي وفني حول معايير التميز في الأداء التمثيلي.
اترك تعليقاً