منتدى العمق

عندما يقود “المجانين” العالم

أصبحت الكرة الأرضية مسرحا عبثيا تشتعل أطرافه تحت وطأة “الأنا” المتضخمة لزعماء استبدلوا الحكمة بالاستعراض، والدبلوماسية الرصينة بطلقات المسدسات في غرف مغلقة، محولين السياسة الدولية من فن الممكن إلى فن الانتحار الجماعي. إن ما نشهده اليوم من غليان تقوده واشنطن وتل أبيب، ليس صراعا استراتيجيا بالمعنى التقليدي الذي عرفته كتب التاريخ، إنه نتاج نوبة جنون جماعية يقودها مقامرون سياسيون وجدوا في الفوضى ملاذهم الأخير للهروب من قضبان السجون أو غبار النسيان. إن دونالد ترامب، الذي عاد ليحول البيت الأبيض إلى منصة لتصفية الحسابات الشخصية تحت مسمى الصفقات الكبرى، وبنيامين نتنياهو الذي أحرق الأخضر واليابس في غزة والآن في طهران ليضمن بقاء كرسيه المهتز فوق جثث الأبرياء، يمثلان الوجه البشع لهذا العصر؛ عصر الزعيم النرجسي الذي لا يرى في خريطة العالم سوى مرآة تعكس صورته البطولية الزائفة، حتى لو كانت تلك المرآة ملطخة بدماء الملايين.

هؤلاء الشعبويون الذين يقتاتون على حشد الغوغاء وتأجيج الكراهية، نجحوا في جر البشرية إلى ما يسمى عملية الغضب الملحمي، وهي التسمية التي تليق تماما بحجم الهذيان العسكري الذي نعيشه حاليا، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمصالح قومية عليا أو أمن إقليمي مشترك، بل بات العالم بأسره رهينة لزعماء يعانون من مراهقة سياسية متأخرة ونرجسية سريرية، تتخذ فيها قرارات الحرب والدمار الشامل في لحظات انفعالية خلف شاشات الهواتف الذكية، بعيدا عن مشورة العسكريين العقلاء أو تحذيرات الدبلوماسيين الذين أخرست أصواتهم. إنهم يدفعوننا نحو الهاوية وهم يبتسمون لعدسات الكاميرا، متوهمين أن التاريخ سيذكرهم كأبطال أعادوا العظمة لأممهم، بينما الحقيقة المرة هي أنهم يقامرون بمستقبل الجنس البشري لخدمة نرجسيتهم المريضة؛ فترامب يرى في تدمير المنشآت الإيرانية مجرد عرض قوة يزيد من شعبيته و يبعده و لو مؤقتا عن شبح ملفات ابستين، ونتنياهو يرى في إشعال حريق إقليمي شامل طوق نجاة يمنع عنه حكم المحكمة، وكلاهما يرقص على إيقاع طبول الحرب التي قد تتحول في أي لحظة إلى جحيم نووي لا يبقي ولا يذر.

إن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا في عام 2026 لا يكمن في ترسانة الصواريخ الإيرانية أو القواعد الأمريكية المنتشرة، بل يكمن في تلك العقليات المسمومة و المجنونة التي تجلس على قمة الهرم السلطوي، والتي ترى في احتراق الشرق الأوسط مجرد وسيلة لتحسين أرقام استطلاعات الرأي أو الهروب من ملاحقات قضائية بتهم الفساد والخيانة و اغتصاب الاطفال. هؤلاء المجانين الذين يقودون العالم اليوم، نجحوا في تفكيك النظام الدولي الذي صمد لعقود، وحولوا المؤسسات الأممية إلى أطلال مهجورة لا قيمة لقراراتها، واستبدلوا القانون الدولي بشريعة الغاب، حيث القوة هي الحق الوحيد، والدمار هو اللغة الوحيدة المفهومة. إنهم يراهنون على صمت الشعوب وتنويمها مغناطيسيا بخطابات القومية المتطرفة والعداء للآخر، بينما الحقيقة أنهم يسوقون هذه الشعوب إلى مسلخ الحروب العبثية لخدمة طموحاتهم الشخصية الضيقة، ضاربين عرض الحائط بكل قيم الإنسانية والاتزان، ليبقى السؤال الأكثر مرارة وقسوة يتردد في أروقة التاريخ: كيف سمحنا نحن، سكان هذا الكوكب، بأن تسلم زمام أمورنا ومصير أبنائنا لثلة من السيكوباتيين الذين يفضلون رؤية العالم يحترق على أن يخسروا جولة واحدة في صراعهم المرضي من أجل السلطة المطلقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *