الغيرة المتقلّبة على القانون والمؤسسات
عاد اسم اليوتوبر المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، محمد تحفة، إلى الواجهة في الأيام الأخيرة، ليس فقط بسبب ما راج حول مثوله أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ولكن أيضا بسبب الطريقة التي جرى بها تقديم الموضوع داخل بعض المنابر والصفحات، حيث ارتفعت فجأة نبرة تتحدث عن خطر داهم على المؤسسات والمسؤولين والنساء والأعراض، وتوحي للرأي العام بأن القضية تكاد تكون قضية أمن قومي، وأن السؤال الوحيد المطروح هو لماذا لم يُعتقل الرجل فور دخوله. والحال أن هذا النوع من الدعاية لا يوضح الملف بقدر ما يميعه، ولا ينير النقاش بقدر ما يدفعه نحو استنتاجات جاهزة لا تصمد دائما أمام الوقائع ولا أمام الحد الأدنى من العقل والمنطق.
من حيث المبدأ، لا أحد يمكنه الاعتراض على حق أي متضرر في اللجوء إلى القضاء، ولا على حق المؤسسات المختصة في أن تستمع وتبحث وتقرر وفق ما تراه مناسبا داخل الإطار القانوني. هذا أمر لا نقاش فيه. وقد أظهرت المعطيات المتداولة خلال الأيام الأخيرة أن المعني بالأمر امتثل للاستدعاء، ومثل أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ثم غادر بعد الاستماع إليه في إطار الإجراءات الجاري بها العمل. هذا هو الثابت إلى حدود الآن. أما ما بعد ذلك من تهويل وتفسيرات جاهزة، فشيء آخر تماما.
المشكل الحقيقي لا يبدأ عند المؤسسات، بل عند بعض الأصوات التي قررت أن تبني سردية كاملة على نصف معطيات ونصف حقيقة. فهي لا تقدم للرأي العام الملف كما هو، بل كما تريد له أن يبدو. تنتقي مقاطع قديمة جدا، وتعيد عرضها كما لو أنها وحدها تكفي لتفسير كل شيء، ثم تبني على ذلك خلاصة جاهزة: هذا شخص سب وقذف وهاجم مؤسسات ومسؤولين، ثم دخل المغرب ولم يُعتقل، إذن هو محمي أو فوق القانون. هكذا ببساطة. من دون أن يُقال للناس ما هي الشكايات الموضوعة فعلا، وما موضوعها، ومتى وُضعت، وما مآل ما سبق منها، وما إذا كانت بعض الوقائع التي يُعاد التلويح بها اليوم تثير، بحكم قدمها، أسئلة قانونية مرتبطة بالتقادم أو بسير المساطر أو بأسباب الحفظ إن وُجدت.
وهنا بالضبط يقع الخلط الذي يراد به استغباء الرأي العام. لأن النقاش الجدي كان يقتضي شيئا واحدا واضحا هو شرح الحيثيات القانونية كما هي، لا كما يراد تسويقها. كان يقتضي التمييز بين وقائع قديمة يعاد تدويرها اليوم لأغراض التعبئة، وبين وقائع أخرى قد تكون محل شكايات حديثة أو بحث قائم.
وكان يقتضي أيضا أن يقال للمغاربة إن عدم الاعتقال الفوري لا يساوي تلقائيا الحماية، مثلما أن الاستماع إلى شخص ومغادرته لا يساوي تلقائيا البراءة أو الإدانة. لكن بعض الأصوات لا تريد هذا النقاش الهادئ، لأنها تعرف أن تعقيد الملف لا يخدم خطابها، بينما يخدمها أكثر أن يظهر الأمر كما لو أن الدولة كلها متهمة بالتراخي أو التواطؤ.
غير أن هذه ليست المشكلة الوحيدة في هذا الملف. فإلى جانب هذا التبسيط المخل، هناك ازدواجية صارخة يصعب تجاهلها. لأن بعض من يتحدثون اليوم بلهجة حادة عن الغيرة على المؤسسات والمسؤولين، بل وحتى عن المؤسسة الملكية، لم يكونوا يتحدثون بهذا المنطق حين كان محمد تحفة، في سنوات سابقة، يهاجم مسؤولين بأسمائهم ويتناول مؤسسات الدولة بخطاب ينهل من قاموس السب والقذف. يومها لم تكن هذه الغيرة حاضرة بالصوت نفسه ولا بالاندفاع نفسه. بل كان هناك من يدافع عنه، وكان هناك من يتعاطف معه، وكان هناك من يلوذ بصمت كامل، بل وكان من يرد عليه أو ينبه إلى خطورة هذا المسار يُتهم أحيانا بالمبالغة أو يُنظر إلى رده باعتباره دون المستوى، وكأن ما كان يصدر عن الرجل آنذاك لا يستحق كل هذا التحذير الذي نسمعه اليوم.
هذه النقطة أساسية، لأنها تكشف أن الأمر لا يتعلق دائما بمبدأ ثابت. فالمقاطع التي يجري اليوم التلويح بها لإثبات “الخطورة القصوى” تعود، في عدد من الحالات، إلى المرحلة نفسها التي كان فيها بعض من يصرخون اليوم على تواصل معه أو متعاطفين معه أو صامتين عنه. وهذا وحده يكفي لطرح السؤال الذي يحاول كثيرون القفز عليه: ما الذي تغير بالضبط؟ هل الذي تغير هو طبيعة الأفعال وحدها، أم أن الذي تغير أيضا هو التموضع، والعلاقة، والخط التحريري، وموقع الرجل داخل شبكة من الاصطفافات المتقلبة؟
الجواب، كما يبدو من تسلسل الوقائع، ليس معقدا إلى هذا الحد. لأن أسلوب الرجل، بما له وما عليه، لم ينزل على الناس فجأة هذه الأيام. ما تغير في نظر البعض ليس فقط الأسلوب، بل الاتجاه. وحين كان يخدم مزاجا معينا أو يلتقي مع خصومات معينة، كان التساهل أكبر، وكانت القراءة أخف، وكان الصمت أوسع. لكن عندما تغير التموضع، أو عندما عاد في بعض الملفات إلى خطاب أقرب إلى الدفاع عن ثوابت الدولة بدل مسايرة بعض الأهواء المعروفة، تحولت اللغة فجأة. صار الشخص نفسه تهديدا للمؤسسات، وصار ما كان يُهوَّن من شأنه بالأمس سببا كافيا لإعلان حالة استنفار أخلاقي وسياسي وإعلامي.
هنا لا يعود الأمر دفاعا مبدئيا عن الملك أو عن المؤسسات أو عن النساء والأعراض، بل يصبح توظيفا انتقائيا لهذه الشعارات بحسب الظرف. وهذا أخطر ما في الموضوع. لأن استدعاء الدولة وهيبتها لا ينبغي أن يكون ورقة موسمية تخرج فقط عندما تتغير العلاقات أو تتفجر الخصومات. ومن يتحدث اليوم باسم الغيرة على الاستقرار، عليه أن يجيب أولا عن صمته القديم، وعن دفاعه القديم، وعن الصور القديمة، وعن المساحات القديمة، وعن ذلك التساهل الذي كان يعتبر آنذاك كل من رد أو نبه أو حذر مبالغا أو مشوشا أو مشتغلا بردود لا قيمة لها.
ليست المشكلة، إذن، في أن يطالب شخص بتطبيق القانون. هذا حقه. وليست المشكلة في أن تبحث المؤسسات في شكايات أو معطيات. هذا واجبها. المشكلة في أن بعض الأصوات تريد أن تقنع الرأي العام بأنها كانت دائما في الخندق نفسه، وأن غيرتها على المؤسسات والمسؤولين والملك ثابتة لا تتغير، بينما الأرشيف يقول شيئا آخر تماما. يقول إن هذه الغيرة كانت في أوقات كثيرة انتقائية، تظهر حين يناسب ظهورها، وتختفي حين يكون الصمت أكثر فائدة.
والأخطر من ذلك كله أن هذا النوع من الازدواجية لا يضر فقط بصورة أصحابه، بل يضر أيضا بفكرة الاحتكام إلى القانون نفسها. لأن القانون حين يتحول إلى شعار يُشهر فقط عند الخصام، وحين تُستدعى المؤسسة الملكية أو هيبة الدولة أو كرامة النساء والأعراض باعتبارها ذخيرة خطابية ظرفية، يفقد الكلام وزنه وتفقد المواقف صدقيتها. بل يصبح جزء من هذا الصخب إساءة إلى هذه الشعارات نفسها، لأنه يوحي بأن البعض لا يستحضرها من باب المبدأ، بل من باب الحاجة إليها في معركة.
لهذا، فإن ما يكشفه ملف محمد تحفة اليوم لا يتعلق بشخصه وحده، ولا حتى فقط بمآل شكاياته أو الجدل حوله، بل يكشف أيضا طريقة كاملة في إدارة المعارك داخل المجال العام. طريقة تقوم على الكيل بمكيالين، وتسمح للبعض بأن يحتضنوا اليوم ما سيجرمونه غدا، وأن يصمتوا بالأمس عما سيقدمونه اليوم باعتباره خطرا وجوديا على البلد. وفي هذا المعنى، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحا ليس فقط ماذا قال محمد تحفة أو ماذا فعل، بل أيضا لماذا اكتشف بعضهم ما يصفونه بـ “خطورة الرجل” الآن فقط، بعد كل هذا الوقت، وبعد كل ذلك الصمت، وبعد كل ذلك القرب الذي يحاولون اليوم محوه من الذاكرة العامة.
هذه هي القضية كما تبدو فعلا. أما ما عداها، فليس سوى ضجيج كثير يراد به تهريب النقاش من جوهره.
اترك تعليقاً