المراحيض الجامعية بالمغرب بين مظاهر الإهمال وانعدام الصيانة
إن قياس تحضر أي مجتمع أو دولة في العالم لايقاس فقط بمستوى عصرنة بنياته التحتية من شوارع و أزقة أو بارتفاع بناياته وأبراجه الشاهقة بل أيضا بمستوى فضاءاته الجامعية
التي عادة ما تكون نخبه وأدمغته العلمية والتعليمية والتي لا تشمل فقط مدرجاته وأقسامه التي تلقى فيها المحاضرات والعروض بل أيضا كل ما يتعلق بتحرك وحياة هذه النخب في هذه الفضاءات. ولعل أهم ما يقيس مستوى ورقي هذا التحضر هو التوفر على مراحيض جامعية نظيفة ونقية . الشيء الذي يعتبر نادرا في مختلف جامعاتنا وكلياتنا . فإلقاء نظرة خاطفة أو استعمال خاص لهذه المرافق التي من المفروض أن تكون صحية تجدها أبعد عن كل نظافة أو صحة . فهي تشبه إلى حد بعيد اصطبلات البهائم أكثر ما تشبه مراحيض أو بيوت نظافة عادية ومقبولة. إذ ما زالت العديد من الكليات بالمغرب تعاني من حالة “كارثية” في مرافقها الصحية، حيث تغرق بعضها في المخلفات وتفتقر لأبسط شروط النظافة والتعقيم. فعلى سبيل المثال لا الحصر تعاني، وكما أشار إلى ذلك موقع هسبريس ، مجموعة من مرافق كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط بما فيها مراحيض الكلية، خاصة تلك المخصصة للطلبة والزوار، من تردي مثير ، “حيث تزكم روائحها الكريهة الداخلين إليها، فضلا عن تلف أجهزة عدد منها. حيث لا يقتصر الأمر على الروائح الكريهة وتلف الأجهزة فقط، بل إنّ عددا من المراحيض أضحت غير صالحة للاستعمال، بسبب انسدادها التام بالمياه الآسنة والفضلات، في مشهد مقزز يعاينه طلبة وزوار أقدم كلية أسّست في المغرب قبل أزيد من ستين عاما. فقد تحوّلت أربعة مراحيض داخل كلية الحقوق أكدال إلى وعاءات تركد فيها مياه آسنة مخلوطة بالأزبال، وتنبعث منها روائح عطنة تصل إلى أنوف الطلبة والأساتذة ممن يجلسون في المقصف المقابل للمراحيض.” وعلى نفس المنوال تعاني أقدم وأعرق كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء من نفس التردي والإهمال ، حيث أن جل أبواب وصنابير المراحيض خاصة تلك المخصصة مكسرة ، وبلاطاتها ملوثة وغير نظيفة . مما جعل وضعية المرافق الصحية في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين الشق (طريق الجديدة) موضوعاً متداولاً بين الطلبة، حيث تتراوح الآراء بين تقدير عراقة المؤسسة وبين انتقاد مستوى بعض الخدمات اللوجستية. إذ عادة ما تشير تقييمات بعض الزوار والطلبة إلى أن الكلية “نظيفة نوعاً ما” لكنها تحتاج إلى عناية مستمرة واهتمام أكبر بنظافة المرافق الصحية لضمان جودتها بشكل دائم.
وبالتالي فإن ما تعانيه هاتين المؤسستين الجامعيتين العريقتين يمكن تعميمه على جل كليات الجامعات المغربية . إذ أن أغلب الكليات بالمغرب وخاصة الكليات ذات الاستقطاب المفتوح تعاني من ضغط كبير على البنية التحتية، مما يجعل صيانة المراحيض تحدياً يومياً للإدارة المشرفة على تسيير هذه المؤسسات . في حين يؤدي غياب المرافق الصحية اللائقة إلى مشاكل صحية كالإصابة بالتهابات أو أمراض طفيلية مما يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي والكرامة الإنسانية للطلبة. وبالتالي فالوضعية الحالية للمراحيض في الجامعات المغربية أصبحت موضوعاً يثير الكثير من الجدل والنقاش العمومي، حيث غالباً ما يتم وصفها بأنها انعكاس لمستوى النظام التعليمي العمومي بما فيه التعليم الجامعي والبنية التحتية للمرافق العمومية بشكل عام . ولعل هذا ما يزيد من الشرخ الاجتماعي المتولد من الفرق بين التعليم الجامعي العمومي والتعليم الجامعي الخاص ، حيث يرى البعض أن الراغبين في مرافق صحية ذات جودة عالية يضطرون للتوجه نحو الجامعات الخاصة، نظراً لضعف الميزانيات المخصصة للصيانة في القطاع العام. بالإضافة إلى ذلك فهذا الوضع لا يمكن ربطه فقط بمسألة تسيير بل أيضا بتخلف في السلوك وضعف في مستوى ثقافة الفضاء العمومي لدى طلبة هذه الجامعات . فالسلوك الطلابي عادة ما يتميز بتسيب وانعدام حس الحفاظ على نظافة وأجهزة هذه المرافق الصحية . إذ يُشار في بعض الحالات، إلى أن الإدارة قد تجهز مرافق بمستوى جيد، لكنها تتعرض للتخريب من خلال كسر الأبواب والصنابير بعد فترة وجيزة من الاستخدام.
من هنا ضرورة أن تتحرك الفعاليات الطلابية التي عادة ما تنشط في فضاءات هذه الجامعات ليس فقط للقيام بمهرجانات ثقافية أو القيام باحتجاجات للدفاع عن مطالب اجتماعية أو إدارية للطلبة ، بل أن تقوم أيضا بمبادرات بتنسيق مع الإدارة للحفاظ على نظافة الفضاء الجامعي سواء من خلال تخصيص يوم لتنظيف جنبات هذا الفضاء والتعبئة لإزالة المتلاشيات والنفايات من مختلف جنبات هذا الفضاء لترسيخ الثقافة المدنية وتوطيد الارتباط بين الطلبة وفضائهم الجامعي . فقد أكدت دراسات أجريت في كليات مثل المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة على ضرورة تغيير العقلية الطلابية تجاه الملك العام من مدرجات وأقسام بمختلف تجهيزاتها و كذا التحسيس بأهمية نظافة المراحيض الجامعية كحق والتزام. كما يمكن للإدارة المشرفة على تسيير هذه المؤسسات الجامعية اللجوء إلى التعاقد مع شركات خاصة في الصيانة للقيام بالاشراف على نظافة المرافق الجامعية بما فيها صيانة المراحيض الجامعية وذلك على غرار تعاقدها مع شركات تقوم بالحراسة وغيرها . كما يمكن أيضا اللجوء إلى تثبيت مراحيض أوتوماتيكية ذكية في داخل الحرم الجامعي مستقبلاً.
وعلى العموم فكل الدعوات والمطالب بإصلاح التعليم الجامعي لا ينبغي أن تنحصر فقط في تحسين الوضعية المادية لأساتذة التعليم العالي أو الزيادة في منحة الطلبة ، بل أيضا في تحسين جودة الفضاءات الجامعية التي تشكل أحد الركائز الأساسية التي ينبني عليها ما يسمى بالحرم الجامعي الذي ينبغي أن يكون منفتحا وجميلا ونظيفا . وبالتالي فلا غرابة أن تبرز أصوات تنادي بأن “المراحيض أولاً” في أي نقاش حول إصلاح التعليم العالي، معتبرة توفيرها حاجة أساسية تسبق حتى تحديث المناهج والرقمنة . وبالتالي ، فيمكن للأحزاب في تنافسها المبكر في الانتخابات المقبلة والتي تتخوف من ضعف الاقبال على التصويت أن يشكل تحسين الفضاء الجامعي أحد البنود التي ينبغي تضمينها في برامجها السياسية حيث أن هذا المطلب بالإضافة إلى مطالب ملموسة تهم الطلبة كشباب يمكن أن تحثهم على التصويت بشكل مقبول أو مكثف في الاستحقاقات القادمة سواء كانت تشريعية أو جهوية أو محلية.
اترك تعليقاً