منتدى العمق

عدوّ نفسِه

كان المدعو: “التاقي” لا يحب إلا نفسه، وإن كان يظهر المودة ويُتقن تصنعها لكل من يعرفه. كان يتقرب من الجميع، رأس ماله لسانه الذي يوزع به الكلام المعسول، كان بمجرد أن تتوطد علاقته بالآخرين يجدون أنفسهم وقد تورطوا في إقراضه قليلا أو كثيرا من المال. كان يحسن المماطلة واختلاق المبررات، فتارة هو يريد إرسال مبلغ مالي لأمه المريضة، وتارة يدعي أنه يحتاج مالا لمساعدة قريب ستُجرى له عملية جراحية…وهذا ما فعله يوما لأحد أصدقائه حين وقف أمامه بعينين عليهما غشاوة من دموع مصطنعة معلنا أن أمه تحتضر ويحتاج بعض المال للسفر لزيارتها بمدينة أكادير، اقتسم الصديق معه راتبه ليساعده على القيام بالواجب على أن يرد له المبلغ مع مُستهل الشهر الجديد وتسلُم الرواتب. وبعد بضعة أيام التقى الصديق ببعض معارفه وأخبرهم بوضعية التاقي، فأنكروا ذلك مؤكدين له أنه ذهب ليقتسم مع إخوته إرث أبيهم، وأنه عاد منذ يومين وأعطاهم بعض الحلوى من صنع والدته، وأنهم أقرضوه مبلغا ماليا هم بدورهم. صعق الرجل لما سمع، وذهب من فوره لبيت التاقي ليتأكد من زيف روايته، لكن الأخير ادعى أن أمه كانت فعلا مريضة وأنها شفيت من مرضها، فأصر الآخر على تسلم مبلغه كاملا في الحين، لكن التاقي الداهية قال له: “إذا كنت مصرا على المبلغ الآن، فأنا سأقدمه لك عبارة عن لحم وخضر من صديقَيّ الجزار والخضار”، وأخذه إلى أمكر بائعين يتعامل معهما، كان الأول يبيع لحما مشبوها، والثاني خضرُه غابت عنها الطراوة وأصبحت أقرب للاستهلاك الحيواني، كان الضحية يعلم أنه إما يستغل تلك الفرصة السانحة وإما لن ينال شيئا بالمرّة. فقال مع نفسه: (سآخذ السلع وأتركه يدفع الثمن وأورطه أو أكون أنا الخاسر المغفل فأخرج من هذه التجربة بخفي حُنين).

كان ذلك الدرس القاسي في الحقيقة درسا لكل معارف التاقي الذين أنكروا فعلته وقرروا مقاطعته وعدم التعامل معه. ومع الوقت أصبح الكل يلاحق التاقي ويشكو سوء معاملته وأنه يتملص من رد المستحقات المتراكمة عليه، وانسحب هذا على صاحب المخدع الهاتفي والصيدلاني والبقال .. بل لقد بدأ البعض يتهكم هازلا بأن صاحبنا ربما ينتهي به الأمر مُقترضا من القطط والكلاب وأنه سيماطلها هي أيضا. وتعددت التفسيرات لسلوكه، فالبعض يتحدث عن ممارسته للقمار، والبعض يزعم أنه مدمن على المسكرات والمخدرات… ولم يكن الاقتراض هو الصفة المذمومة الوحيدة في التاقي، بل لقد اتصف أيضا بالمكر والخديعة وإفشاء أسرار معارفه والإيقاع بين الناس، لقد كان انتهازيا ينقلب بسرعة الضوء من هيئة صديق إلى مشروع عدو. وتأكد ذلك من خلال فبركته لأخبار وهمية وتلفيق اتهامات جاهزة لمن فضحوا مكره وتملصه من أداء ما اختلسه منهم. وانتهى به الأمر منبوذا من الجميع إلا من زوجته التي كانت تشبهه في كثير من الصفات الذميمة. ولكن الأشرار لا يسلم الواحد منهم من سموم الآخر وأذاه، فالأفاعي قد تهلك العقارب والعكس صحيح.

باع صاحبنا بيته الذي بناه بالدجل والتدليس، وأخيرا عرف الناس أن صاحبنا كان ضحية نزوات زوجته المهووسة بالملابس والعطور والأسفار والتباهي أمام صديقاتها بحليها وثيابها الراقية. وكان بيت صاحبنا الذي باعه لم يمض على تشييده إلا سنوات معدودات، وقد تلقفه السمسار “علي” في غفلة من الجميع، واتفق مع أحد معاونيه للإيقاع بصاحبنا. فتمت صفقة البيع بثمن زهيد. وبعد أن كان التاقي يستغفل الآخرين وجد ـ هو نفسه ـ من يستغفله. وعاد صاحبنا يسكن من جديد في دور الإيجار، لكن أجرته المتهاوية وكثرة الديون البنكية لم يسمحا له ـ طويلا ـ بذلك، فسكن زمنا مع صهره الذي كان أشد لؤما من زوجته. وهنا تبدأ عجيب الحكايات والمرويات. لم يكن صهره يطيقه بالمرة، ولكنه امتثل لرغبة ابنته وطفليها ظانا أن مدة الإقامة لن تتعدى الأسابيع، لكنها بدأت تطول وتطول، فكانت لغة الإشارات والتلميحات في الأول، لكن هذه اللغة لم تجد نفعا لأن صاحبنا كان متبلد الأحاسيس بارد المشاعر، فبدأت لغة التصريح تحل محل لغة التلميح. وانتهى الأمر بصب ماء الغسيل القذر من الطابق العلوي على صاحبنا وهو أمام الباب لعله يحس بالعار والمهانة، وإن زعموا له بعد ذلك بأنه فعل غير مقصود وتصادف مع وجوده أمام البيت. وأكثروا عليه بعد ذلك بالمطالب المادية: واجب الكهرباء ـ فاتورة الماء ـ مسحوق غسيل الملابس ـ السكر ـ الزيوت ـ الطحين… ولائحة طويلة لا تنتهي، ولما استنزفوه تماما وأغرقوه في مزيد من الديون البنكية، صرح السيد “العربي” لصهره بحاجته لمسكن لتزويج ابنه الأكبر. فوجد “التاقي” نفسه محشورا في الزاوية، وخاصة بعد أن أبدت زوجته استسلامها لموقف أبويها، فاضطر للانتقال لبيت صغير به غرفة واحدة ومطبخ وحمام. ووجد نفسه عاجزا تماما عن تدبر لوازم البيت، وخاصة في الشهر الفضيل: “رمضان” وفي أضحية العيد، فكان يأتي بزوجته وولديه عند صهره مرة أخرى لقضاء هذه المناسبات. لكن الأخير ضاق به ذرعا، وفي آخر مرة يزوره يقرر تلقينه درسا لن ينساه أبدا، إذ أحكمت ابنته الصغرى إغلاق الباب، ولما سمعا قرعه، أطلت من النافذة قائلة:” والدي مريض ولا يريد أن يزعجه أحد”، وقبل أن ينصرف الضيوف الأربعة أطلت من جديد معلنة إمكانية دخول “حنان” والطفلين فقط. دخل الثلاثة وأعيد إغلاق الباب بقوة. بقي التاقي واقفا كالمسمار أمام لوح الباب كأنه هو نفسُه قطعة من اللوح. وفجأة صُبّ سطل من الماء أشد قذارة من السابق على رأس التاقي وكامل جسده. وكأنما كان الأمر مُتّفقا عليه بين الجميع، إلا من التاقي وحده الذي لم يفهم شيئا، وأطلت رؤوس من النوافذ المجاورة، وسُمعت ضحكات وهمهمات متفرقة..

بقيت “حنان” في بيت أسرتها أشهرا كاملة، ولم يعد بإمكان التاقي الاقتراب من بيت “العربي” ولو لمجرد السؤال عن ولديه، وأصبح الرجل في أيامه الأخيرة أشبه بالمعتوه فاقدِ العقلِ والذاكرة. وقد لفظته الوظيفة العمومية بعد أن غرق في بحر من الديون، وضاقت به الحياة، وبعد أن كان يبذل جهدا كبيرا في الاقتراض من القريب والبعيد، أصبح الناس يعطونه مالا وأكلا لوجه الله. ومَن يرى التاقي اليوم، سينكر أنه كان في يوم من الأيام موظفا حكوميا، لكنها الأيام التي لا تدوم على حال واحدة. وبدأ البعض يردد أن الرجل كان ضحية أعمال السحر والشعوذة من “حنان” وأسرتها، وأنكر آخرون ذلك مرددين أن الدَّين من الدِّين، وأن من يحتال على أموال الناس بالباطل يعاقبه الله أشد العقاب.

تركت “حنان” ولدَيها لأمها وذهبت مع صديقاتها لمدينة ساحلية، وقد قيل وقتها إنها اشتغلت في أحد الفنادق السياحية. لكن همهمات هنا وهناك أشارت إلى سياحة من نوع آخر غير لائق، فكانت تلك هي النهاية الحتمية لبداية لم تكن سليمة بالمرّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *