منتدى العمق

لماذا ظل شمال إفريقيا على هذا الوضع؟ تساؤل في مأساة هذا الواقع

هل يمكن ليوم من الأيام أن تلمس شمال إفريقيا نور الفلسفة وأن يكون هناك تغيير جذري في طبيعة الوسط المتخلف الذي تحظى به هذه الأوطان اللعينة؟ هل سبب تخلف هذه البلدان شعبها الغبي؟ أم جغرافيتها القاحلة كفكرها؟ أم سياستها وأنظمتها؟ أم فكرها الرجعي أو الدينية؟ أم ماضيها المؤلم المليء بالاستعمارات والانقلابات؟ أم صراع الهوية الذي تعاني منه بين العروبة والأمازيغية؟ أم غياب المفكرين والفلاسفة في هذه الأرض؟ ما الذي يجعل من شمال إفريقيا متخلفا لهذه الدرجة؟ دائما تحل في ذهني هذه الإشكاليات الكبيرة عما يجعل من هذه الأوطان تسكنها التخلف، كيف لنا أن نحررها؟ هل بتغيير قطعي مع أي شيء متواجد حاليا؟ أم بإصلاح إشكالي أي دراسة كل إشكال وإصلاحه؟

ولكن من سيدرس لنا هذه الإشكاليات؟ هل التلميذ الذي تربى في مدرسة مليئة بالتناقض، أم الطالب الذي هُمِّش بين أسوار الجامعة؟ من سيقوم بهذه الدراسة؟ وأكبر مشكل نعاني منه هو التعليم في هذه الدول، تعليم نمطي أراه مثل مصنع آلات، لا يخرج لك شابا يبدع بل شابا يكرر الموجود، لا ينتج لك مواطنا يقترح بل مواطنا يطيع، لا تخلق لك شخصا يفكر بل شخصا جاهلا، هذا حال التعليم عندنا، تعليم ميت يجعل من التلميذ آلة تعيد ما قُدِّم لها، وجامعات تُطرِّز لنا طالبا بصورة نمطية، أين التعليم هنا؟ إن ما يجب أن نلقنه لطفل منذ ولادته هو التمرد، هو أن لا يطيع الأشياء التي تقدم له، بل يفحصها ويدرسها ويحللها ثم يقرر ماذا يفعل، إن هذا عكس ما هو موجود عندنا، فقط مدارس تلقن دون أي محاولة للسماح للتلميذ أن يقدم رأيه، وأستحضر هنا أساتذة الفلسفة الذين هم أولى بهذه المهمة، وهي مهمة خلخلة العقل من أجل إعادة البناء، ولكنني أعلم أن ذلك الأستاذ نفسه لم يحظ بتلك الخلخلة وهو طالب في الجامعات.

في الحقيقة انا هنا لست لأُنَظِّر على القارئ بتلك الطوباوية التي اعتاد عليها في كل مقال قرأه، أنا هنا لأسأل معك باعتبار السؤال أول مرحلة للإجابة، لا أعتقد أن التغيير يأتي بالكتابة فقط، بل أن تكون فعالا داخل هذا المجتمع، أن تكون واحدا من المصلحين والتنويريين والمثقفين، إن التغيير لا يأتي بالتخطيط في الأوراق والجرائد والنشر بل بالنقاش المواطناتي داخل المجتمع، إن التغير المجتمعي في اعتقادي يبدأ من الحوار بين الأفراد والمواطنين، لا يمكن أن نتقدم ولا قليلا للأمام إذا لم نتحاور ونتناقش ونتجادل ذاك الجدال الواعي العاقل الذي لا تحكمه الدوغمائية والتجمد الفكري، بل أتكلم عن النقاش المواطناتي الذي يتحاور فيه كل أفراد المجتمع مع بعضهم وحتى مع المؤسسات والسلطة، إن استمرار المجتمع الوطني بالنسبة لي يبدأ من الحوار بين المواطنين والمؤسسات والسلطة الحاكمة، ولعلي هنا أعطيكم سبب من مجموعة أسباب تخلف دول شمال إفريقيا، ألا وهو غياب الحوار والنقاش، إننا نفتقد وبشكل كبير نقاش المواطنين بينهم، وإننا نفتقر لأي شكل من أشكال التواصل الحكومي مع المواطنين، كيف لنا أن نكون مجتمعا واعيا ودولة متقدمة ونحن لا نحظى بأبسط الأمور؟ إن هذا بالنسبة لي لا أعتبره مشكلة الدولة بل مشكلة جماعية يتشارك فيها المواطنون مع الدولة، فالنقاش الجماعي يجب أن ينبع أولا فيما بيننا كمواطنين، أن نتناقش في السياسة في الاقتصاد في الفلسفة في الدين في كل الأمور، ولكنني أعلم كثيرا ما هي صعوبة هذا الشعب من أن يفهم أن النقاش في السياسة حق من الحقوق، وهو الذي كبر في وسط يحرم النقاش، وسط يعتبر أن الخطاب السياسي طريقه السجن، هنا يجب أن نطرح سؤالا استفهاميا كبيرا: ما سبب خوفنا من النقاش السياسي؟ هل ماضينا الأليم مع النظام أم تخوف شعبي فارغ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Mohammed Chikhi
    منذ 5 أشهر

    جميل ما كتب لكن يجب ان تعلم انك انت لديك هدا الفكر ولديك حرقة على البلاد، التغيير صعب الأن الحديث عن السياسة والإقتصاد والفلسفة والدين، هذه المجالات كلها نحن كمواطنين ،لا يحق لنا النقاش فيها ، حتى وان أردنا ان نناقش،ونطالب بالتغيير،تجعلك الدولة انك انك اخترقت القانون ،وبالتالي مصيرك هو السجن ،وهذا من الأسباب التي جعلت بلدان شمال افريقيا متخلفة ،عكس الدول الغربية التي نراها تتقدم