وجهة نظر

الجانب القانوني لنهائي الكان: بين حكم الكاف والمبادئ القانونية الكبرى

محمد الكحلون

إن واقعة مباراة نهائي كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت مساء يوم الأحد 18 يناير 2026 بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط بقيادة الحكم الكونغولي جان جاك ندالا نغامبو و التي جمعت المنتخب المغربي و المنتخب السنغالي ، كانت موضوع نقض من لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الافريقي لكرة القدم في 17 مارس 2026 و ذلك لقرار لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الافريقي لكرة القدم الصادرة في 28 يناير 2026 ، و تم قبول الاستئناف المقدم من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم شكلا و اعتبرت موضوعا أن سلوك منتخب السنغال يندرج ضمن نطاق المادتين 82 و 84 من لوائح الاتحاد الافريقي لكرة القدم ، و أنه تطبيقا للمادة 84 من لوائح كأس الأمم الافريقية اعتبر منتخب السنغال خاسرا بالانسحاب من المباراة لتكون النتيجة 0-3 لصالح المنتخب المغربي .

و حيث أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم أعلن عن تقديم استئناف في أقرب وقت ممكن أمام محكمة التحكيم الرياضي في لوزان بسويسرا .
و حيث أن هذا المقال ينظر في الوقائع القانونية الصرفة ويصف كل سلوك ضمن وصفه القانوني الصائب و يتتبع الآثار القانونية المتلاحقة في ميدان الملعب و يصف أثرها ضمن مجموع التصرفات التي صدرت عن منتخب السنغال .

حيث أنه لحظة تقرير الحكم لضربة الجزاء لصالح المنتخب المغربي قوبل القرار بالاعتراض الفوري و الاستهجان من طرف لاعبي المنتخب السنغالي ، و بعد أن قرر الحكم اعتماد تقنية الفار لتأكيد ضربة الجزاء من عدمها ، و بعد تأكده من مشروعية ضربة الجزاء ، امتنع حارس مرمى السنغال عن الامتثال للقرار و أتبعه الفريق كله بمن فيه المدرب اللذين عملوا جميعا على استئناف احتجاجهم و الاستمرار فيه مانعين بذلك استمرار المباراة ككل و شلها شللا تاما، مما أثار موجة استثارة و عنف صادرين عن لاعبي و مشجعي المنتخب السنغالي.
و حيث لم يقم منتخب السنغال البتة ، بتخفيف حدة الاحتجاج بل استمروا في تصعيده و الزيادة في حدته لدرجة التعبير عن سعيهم لإيقاف المباراة عن طريق خلق أزمة داخل الملعب بالتأكيد على عدم مشروعية قرار الحكم على الرغم من حسم تقنية الفار لذلك القرار، و إصرارهم الواضح على امتناعهم عن إكمال المباراة و ذلك بعدم السماح باستمرار اللعب عن طريق تنفيذ ضربة الجزاء المأمور بها من طرف حكم المباراة .

و حيث أن الاحتجاج على قرار الحكم و الاعتراض على مشروعيته رتب أن اتفق لاعبوا المنتخب السنغالي بمعية مدربهم الانسحاب من أرضية الملعب و ترك المنتخب المغربي وحيدا بها .
و حيث أن الانسحاب خلق ضغطا تنظيميا كبيرا من جهة سواء على الحكم أو اللجنة المكلفة بتسيير المباراة، و أخل بالظروف الطبيعية العادلة لحسن سير المباراة التي تفترض حسن النية و تكافؤ الفرص ، وأن ذلك الانسحاب أخل بهذين المبدئين و حرم المنتخب المغربي منهما .
و حيث أنه بعد انسحاب الفريق السنغالي ، و بعد مرور دقائق تجاوزت 15 دقيقة، أعاد الفريق السنغالي نفسه إلى الملعب مطالبا باستئناف اللعب و قام أولا بذلك عن طريق مشاركة حارس المرمى في صد ضربة الجزاء .

و حيث أنه من الجانب القانوني الصرف، فإن انسحاب المنتخب السنغالي لم يكن عرضيا أو عشوائيا ، أو ناتجا عن تدافع غير محسوب ، بل كان انسحابا واعيا منظما و مشاركا فيه من طرف جميع لاعبي منتخب السنغال و بتوجيه من مدرب المنتخب السنغالي بإشارة آمرة بالانسحاب و ترك الملعب و بالمباراة ،و بمعية لاعبين آخرين بطريقة متزامنة و مرتبة استغرقت ثواني معدودة فقط للانسحاب مما يخلق واقعة الانسحاب المنظم و المرتب و الصريح.
و حيث أن انسحابا بهذا التنظيم و بهذا التزامن بين الدعوة و القرار و التنفيذ، هو انسحاب من المقابلة مستوف لعناصر الانسحاب من المباراة المرتب لأثر فوري و هو رفض اللعب الذي يؤدي تلقائيا للخسارة ، و ذلك بعدم قبول تنفيذ ضربة الجزاء خصوصا عندما انسحب حارس المرمى رفقة باقي الفريق، و لم تبق أي إمكانية لاستمرار اللعب ، خاصة أن الانسحاب لم يكن بإذن الحكم أو بعد إعلامه أو بعد إخبار لجنة التحكيم بسبب الانسحاب.

وحيث أنه يستدل على سبب الانسحاب مناقشة ليس إلا، الاحتجاج على مشروعية ضربة الجزاء ، حيث اعتبر منتخب السنغال أن انسحابه من المباراة أمر مشروع لمشروعية الاحتجاج على قرار ضربة الجزاء بحد ذاتها ، و أن انسحابه هو امتداد لذلك الاحتجاج بعدم المشروعية .
لكن ، و حيث أنه بعد أن انسحب المنتخب السنغالي ، بادر إلى العودة لاحقا إلى الملعب، وتوجه حارس مرماه إلى المرمى لتنفيذ ركلة الجزاء، التي نفذت، و استمر اللعب بعدها.

وحيث أن قبول منتخب السنغال و مشاركته أولا في تنفيذ ضربة الجزاء هو اعتراف بمشروعية ضربة الجزاء، و تأسيس واضح لعدم مشروعية احتجاجهم السابق داخل الملعب كمرحلة أولى، وبعدم مشروعية انسحابهم الجماعي من الملعب الذي كان منظما و متفقا عليه كمرحلة ثانية، و هو الانسحاب غير المشروع الذي يرتب أثرا قانونيا بموجب النصوص القانونية ذات الصلة وبموجب مخالفة منتخب السنغال لمبادئ قانونية كبرى متعلقة بمبادئ العدالة و حسن النية و تكافئ الفرص.

و حيث كذلك، فإن الاحتجاج الأول داخل الملعب،الذي ترافق مع لجوء الحكم لتقرير الاحتكام لتقنية الفار، قد رتب أثرا قانونيا، هو استنفاذ الوسيلة التحكيمية المؤكدة لمشروعية قرار ضربة الجزاء .
ثم أن استمرار احتجاج لاعبي منتخب السنغال على الحكم وشلهم استمرار المباراة و هم داخل الملعب، كواقعة قانونية أخرى مستقلة ترتب جزاءات عقابية في الحالات العادية.

ثم أن الواقعة الثالثة التي هي الانسحاب المعتبر قانونا ، و غير الموصوف بالانسحاب المؤقت لعدم إمكانية ذلك الوصف، لارتباط تحققه باستئذان الحكم و أخذ موافقته تحت سلطته، قبل أي انسحاب و مغادرة لأرضية الملعب التي تلت التوقف عن اللعب و الاحتجاج غير المشروع على قرار الحكم و بالتالي سلطته المؤسساتية قبل الانسحاب، و انطباق أثره القانوني في تقرير نتيجة الخسارة للمنسحب، بغض النظر مما استتبع ذلك من أحداث على أرضية الملعب نتيجة لضغط الظرف الذي خلقه المنتخب السنغالي منذ لحظة إعلان ضربة الجزاء.

و أن الانسحاب المعتبر قانونا كما أسلفنا كونه مستجمع لكافة الأركان و الشروط، هي واقعة متحققة و مستقلة الوجود و الأثر في الزمن، و لا ينال من تحققها أي طارئ لاحق عليها إن لم يكن أصل الواقعة مستفيدا من موافقة سلطة الحكم قبل واقعة الانسحاب ، وهو غير المتحقق من خلال سلوك و تصرفات منتخب السنغال الموثقة .

و حيث أنه بعد رجوع منتخب السنغال لأرضية الملعب ، و مشاركته من خلال حارس المرمى في تنفيذ ضربة الجزاء ، هو إقرار الفريق السنغالي بمشروعية ضربة الجزاء ، وينبني هذا الإقرار على إقرار آخر، و هو عدم مشروعية احتجاجهم الأول على قرار الحكم.

و أنه بذلك، فإن الواقعة الثالثة المذكورة أعلاه المستقلة قانونا هي بدورها غير مشروعة ، وذلك بقرار قبول قرار ضربة الجزاء و المشاركة فيها و الموافقة أخيرا على مشروعيتها ، في وقت لا يحقق ذلك الاعتراف بالمشروعية أية مشروعية بعد قرار الانسحاب و تنفيذه ماديا.

و بذلك يكون قرار المنتخب السنغالي أن احتجاجه داخل الملعب غير مشروع، و أن قراره بالانسحاب و لو بني على سبب مشروع في ظرف آخر، غير الواقعة التي نحن بصددها، فإن الانسحاب يشكل واقعة قانونية ثابتة تعتبر ضمن التصرفات المنصوص عليها في اللوائح التشريعية التأديبية الخاصة بالكاف، منتجة تلقائيا لخسارة الفريق المنسحب بغض النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية السبب الدافع للانسحاب.

و الذي في هاته الحالة التي نحن بصددها، انسحاب دافعه غير مشروع ، أي أن الادعاء بأن الانسحاب في حد ذاته ناشئ عن ظلم تحكيمي هو ادعاء غير مقبول، لإقامة الدليل على ذلك من المنتخب السنغالي نفسه ، عندما اعتبر أن ضربة الجزاء مشروعة و قانونية، و ذلك بالمشاركة لاحقا في تنفيذها ، بعد انسحابه التام و الكامل و تحقق الأثر القانوني المتمثل في الخسارة القانونية التي تحققت لحظة واقعة الانسحاب.

أما من حيث استئناف المباراة تحت سلطة الحكم و انتهائها بنتيجة فوز منتخب السنغال، فإن الوقائع القانونية و ترتيبها زمنيا و إعمال أثر كل واقعة على حدة يستوجب النظر أولا في أثر انسحاب الفريق السنغالي قانونا، و هو الأثر المرتب للخسارة القانونية فورا.
و لا يعفي المنتخب السنغالي من تقرير تلك النتيجة ، رجوعه لاحقا، عن انسحابه بعد تنفيذه، أو إقراره بمشروعية قرار الحكم.

كون أن واقعة الانسحاب هي مستقلة بذاتها و تنتج الأثر الفوري ، و سابقة زمنيا عن استمرار اللعب بعد الرجوع عن الانسحاب المتحقق،و لا تؤثر سلبا أو إيجابا في واقعة الانسحاب ، و أنه لما كان الحكم قد أمر باستئناف اللعب ترتيبا على رجوع المنتخب السنغالي بعد انسحابه و استئناف اللعب، لا يرتب جزاء إلغاء الانسحاب و لو أكملت المباراة حتى نهايتها حسابيا و ليس قانونيا،بعد ذلك، و بغض النظر كذلك عن النتيجة إذ هي من متعلقات استمرار اللعب الحسابي الزمني و ليس القانوني، إذ أن تحقق الحكم القانوني نتيجة لتحقق السلوك لا يمكن في سبيل دحض ذلك التحقق ، التوسل بعنصر الزمن كاستعمال لفظ الانسحاب المؤقت أو الاستمرار في اللعب ، كمن كان ذاك الاستمرار أو الرجوع قد حفظ لهما الوصف القانوني المركز القانوني الطبيعي بعد زواله، و هذا من المستقر عليه في الفهم و المنطق القانوني و عامل في التحكيم و ترجيح الحجج.

و حيث أن اللعب تحت سلطة الحكم لا يمكن الاحتجاج بها لأنها ، أي السلطة، لا يتأسس مفعولها بناء على القرار الإداري للحكم في استئناف اللعب فقط، بل يجب أن يكون مفعول السلطة متوافقا مع سلطة مفعول تحقق الأثر القانوني للانسحاب، فلا يعدو أن يكون استمرار اللعب تصريفا إداريا و تنظيميا لإنهاء الشكل الرياضي و ترتيبا لبعد تنظيمي و أمني ، دون مساس بجوهر مفعول و نتيجة الانسحاب، الذي تقرره سلطة تنعقد للجهة المختصة بالحكم و النظر القانوني بمقتضى القانون المنشأ للبطولة برمتها و المؤطر لعمل نظم المباراة و سيرها.

و حيث أن انسحاب المنتخب السنغالي الذي كان مشمولا بسوء النية و في حياد عن مبادى العدالة و تكافؤ الفرص ، التي اعترف بأنه خرقها لرجوعه عن احتجاجه المؤسس على عدم المشروعية، و الاعتراف بمشروعية قرار الحكم في قرار ضربة الجزاء، لاحقا، و الذي مس بالسير العادل و العادي للمباراة ، و أنه لما وقع الانسحاب المرتب للخسارة الإدارية القانونية ، فإن هذا الانسحاب كواقعة، أنهى مفعول و أثر استمرار المباراة ، ولو أنها استمرت تحت سلطة الحكم، كون أن اللعب تحت سلطته، لا يمحي واقعة الانسحاب و أثرها القانوني كما فصلنا ذلك أعلاه، كونها واقعة مجردة مؤكدة و لا سبيل لدحضها و إنكارها.

و خصوصا أن أن الانسحاب التام المؤدي لأثر نتيجة الخسارة، لا يسعف معه وصفه بالانسحاب المبرر وغيره، كون حتى أن تسليما بهذا الوصف أي الانسحاب المبرر، فإن رجوع الفريق السنغالي و اعترافه بمشروعية قرار الحكم و تنفيذه لذلك القرار، يجعل مباشرة وصف واقعة الانسحاب بالمبررة غير مبررة، لتحقق السلوك المادي الداحض لحجة التبرير و هو نزع المنتخب السنغالي لأي تبرير أو مشروعية نتيجة إقراره بمشروعية ضربة الجزاء لاحقا، و بعد أن تحققت في حقه واقعة الانسحاب كواقعة مادية التي قابلها فورا تحقق واقعة الخسارة قانونا في حق الفريق السنغالي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *