وجهة نظر

هل تنجح الرباط والقاهرة في صياغة “قطب جيوسياسي” يتجاوز لغة البروتوكول؟

لطالما ظلت العلاقات المغربية المصرية حبيسة إطار كلاسيكي يغلب عليه طابع الود الدبلوماسي والمجاملات التاريخية، لكن المشهد الأخير الذي جمع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش بنظيره المصري مصطفى مدبولي، يوحي بأن ثمة رياحاً جديدة تهب على أشرعة البلدين، رياح لا تعترف بالشعارات الرنانة بقدر ما تؤمن بلغة الأرقام وخرائط النفوذ الاقتصادي، فالمتأمل في كواليس هذا اللقاء يدرك أننا لسنا أمام استقبال رسمي عابر، بل أمام محاولة جادة لفك شفرة الفرص الضائعة التي تراكمت عبر عقود من البيروقراطية والاتفاقيات الورقية التي لم تجد طريقها إلى أرض الواقع.
إن المغرب ومصر يمثلان اليوم جناحي القارة الإفريقية وصمامي أمان في حوض المتوسط، وإذا ما قررت القيادتان الانتقال من مربع “التنسيق التشاوري” إلى مربع “التحالف العضوي”، فإننا نتحدث عن تغيير جذري في قواعد اللعبة الإقليمية، فالبلدان يمتلكان مؤهلات لا تتوفر لغيرهما؛ المغرب بتموقعه كبوابة أطلسية وخبير في الاختراق الاستثماري في أدغال إفريقيا، ومصر بثقلها الديموغرافي وموقعها الاستراتيجي كحلقة وصل مع المشرق وقناة السويس، هذا التكامل ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة تمليها التحولات الدولية المتسارعة التي لم تعد ترحم الكيانات المنفردة.
المراقب عن قرب للواقع الاقتصادي في البلدين، خاصة من يمتلك زاوية رؤية مزدوجة كمغربي يعيش في قلب القاهرة، يلمس حجم الفجوة بين ما هو متاح وبين ما هو محقق فعلياً، فمن غير المقبول أن تظل المبادلات التجارية والتعاون الصناعي دون سقف الطموحات في وقت تهرول فيه دول العالم نحو بناء تكتلات اقتصادية عابرة للحدود.
 نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى قرارات جريئة تكسر قيود البيروقراطية الجمركية وتفتح المسارات أمام القطاع الخاص في البلدين لبناء شراكات عابرة للحدود، وتأسيس مصانع باستثمارات مشتركة تستهدف الأسواق العالمية لا المحلية فقط.
الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد تبادل السلع، ليمس الحضور الحقيقي في إفريقيا والعالم، فالمغرب راكم تجربة فريدة في “القوة الناعمة” والاقتصادية جنوب الصحراء، ومصر تمتلك إرثاً سياسياً وقدرات تصنيعية كبرى، والاندماج بين هاتين القوتين يعني ببساطة خلق محور مغربي-مصري قادر على فرض أجندة تنموية تحترم مصالح الشعوب وتواجه تحديات الأمن الغذائي والطاقي، الكرة الآن ليست في ملعب الدبلوماسيين الذين أتموا مهمتهم في صياغة الأطر العامة، بل هي في ملعب “التنفيذ” ورجال الميدان الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تحويل هذه التطلعات إلى مشاريع ملموسة تُرى بالعين المجردة.
لقد سئمت الشعوب لغة الوعود والبيانات الختامية التي تُحفظ في الأرشيف فور انتهاء المراسيم، وما نحتاجه الآن هو “دبلوماسية الفعل” التي تترجم في صورة خطوط ملاحية مباشرة، واستثمارات في الطاقات المتجددة، وتنسيق أمني وسياسي لا يتأثر بتقلبات الأمزجة.
إن المغرب ومصر ليسا مجرد بلدين عاديين في الخارطة العربية، بل هما ركيزتان إذا استقامتا استقام جسر العمل العربي الإفريقي المشترك، وإن أي تأخير في استغلال هذه اللحظة التاريخية هو هدر لزمن تنموي لا يعقل تضييعه، فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يذكر إلا أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لتحويل الأحلام و إلى واقع و أرقام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *