منتدى العمق

المشهد السياسي و من يربح المرحلة؟

تعيش الساحة السياسية في هذه المرحلة لحظة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع التغيرات الإقليمية والدولية، بما يجعل من إعادة تشكيل المشهد السياسي ليس مجرد توصيف عابر، بل مسارا عميقا يعيد ترتيب موازين القوى ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الفاعلين الجدد وأدوات التأثير وحدود التغيير الممكن. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي يحدث، بل من يمتلك القدرة على توجيه ما يحدث، ومن يستطيع ترجمة التحولات إلى مكاسب سياسية مستدامة.

أول ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو تراجع اليقين السياسي الذي كان يطبع فترات سابقة. فالأحزاب التقليدية، التي اعتادت العمل ضمن قواعد مستقرة نسبيا، تجد نفسها اليوم أمام واقع متحرك يفرض عليها مراجعة خطابها وأساليبها. حيث لم يعد الانتماء الحزبي كافيا لضمان الولاء، ولم تعد الشعارات العامة قادرة على إقناع جمهور أكثر وعيا وارتباطا بتفاصيل حياته اليومية. هذا التحول يفتح المجال أمام قوى جديدة، لكنه في الوقت نفسه يضع الجميع أمام اختبار حقيقي: إما التكيف أو التراجع.

في المقابل، برزت فواعل غير تقليدية تسعى إلى اقتحام المجال السياسي، مستفيدة من التحولات الرقمية ومن تراجع الثقة في المؤسسات الكلاسيكية. فقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة مركزية لصناعة الرأي العام، حيث يمكن لحملة منظمة أو خطاب مؤثر أن يعيد توجيه النقاش العمومي في وقت وجيز. غير أن هذا التحول، رغم ما يتيحه من فرص، يحمل أيضا مخاطر تتعلق بانتشار المعلومات المضللة، وتغليب الانفعال على التحليل، ما قد يؤثر سلبا على جودة النقاش السياسي.

ولا يمكن فهم من يربح المرحلة دون التوقف عند العامل الاقتصادي والاجتماعي، الذي أصبح المحدد الأبرز لسلوك الناخبين ومواقفهم. فالمواطن لم يعد يكتفي بالوعود، بل يبحث عن نتائج ملموسة تمس قدرته الشرائية، وجودة الخدمات، وفرص الشغل. وفي ظل أزمات متراكمة وضغوط متزايدة، يصبح الفاعل السياسي القادر على تقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ هو الأقرب إلى كسب ثقة الشارع. هنا، يتحول الأداء الحكومي أو المعارض من مجرد خطاب إلى معيار حاسم في تحديد من يمتلك الأفضلية.

إلى جانب ذلك، تلعب مسألة الشرعية دورا محوريا في رسم ملامح المرحلة. فليست كل قوة سياسية قادرة على التأثير تتمتع بالضرورة بشرعية مجتمعية واسعة، كما أن بعض القوى التقليدية، رغم تراجع شعبيتها، لا تزال تستند إلى رصيد تاريخي أو مؤسساتي يمنحها هامشا من الاستمرار. وبين هذا وذاك، تتشكل معادلة معقدة يتداخل فيها القانوني بالشعبي، والرمزي بالواقعي.

ومن زاوية أخرى، تبرز أهمية القدرة على بناء التحالفات وإدارة التوازنات. ففي مراحل إعادة التشكل، نادرا ما يتمكن طرف واحد من الهيمنة الكاملة على المشهد، ما يفرض منطق التوافقات، سواء كانت معلنة أو ضمنية. غير أن هذه التحالفات، إذا لم تُبنَ على برامج واضحة ورؤية مشتركة، قد تتحول إلى مصدر هشاشة بدل أن تكون عنصر استقرار، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها.

كما أن البعد الإقليمي والدولي لا يمكن إغفاله، إذ تؤثر التحولات الجيوسياسية على خيارات الفاعلين المحليين، سواء من حيث الأولويات أو من حيث هامش الحركة. ففي عالم مترابط، لم يعد القرار السياسي شأنا داخليا خالصا، بل أصبح جزءا من شبكة معقدة من المصالح والتوازنات التي قد تعزز موقع بعض الأطراف أو تضعف أخرى.

في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن الربح في هذه المرحلة لا يُقاس فقط بعدد المقاعد أو حجم النفوذ، بل بمدى القدرة على فهم التحولات العميقة والتفاعل معها بمرونة وواقعية. الفاعل الذي ينجح في الجمع بين وضوح الرؤية، وفعالية الأداء، وقربه من انشغالات المواطنين، هو الأقدر على تثبيت موقعه في المشهد الجديد.

ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم خارج حسابات النخب وحدها، ويتمثل في وعي المجتمع ودوره في توجيه المسار. فكلما كان المواطن أكثر انخراطًا ونقدًا ومطالبة بالمحاسبة، زادت فرص بروز فاعلين أكثر جدية وكفاءة. أما في حال العزوف أو اللامبالاة، فإن المجال يبقى مفتوحًا لإعادة إنتاج نفس الأنماط التي أثبتت محدوديتها.

في النهاية، لا توجد إجابة جاهزة عن سؤال: من يربح المرحلة ؟ لأن المرحلة نفسها لم تكتمل ملامحها بعد. ما يمكن قوله هو أن المشهد في طور التشكل، وأن نتائجه ستتحدد بقدر ما تنجح القوى المختلفة في قراءة اللحظة التاريخية والتفاعل معها. وبين من يراهن على الاستمرارية ومن يغامر بالتغيير، سيبقى الحكم النهائي بيد الواقع… وبيد المجتمع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *