وجهة نظر

فرنسا – المغرب: حين تتحول الوثائقيات إلى أدوات تشويش سياسي

في الظاهر، يبدو الوثائقي الذي بثته قناة “فرانس 5” حول العلاقات المغربية الفرنسية محاولة إعلامية لقراءة تاريخية نقدية لمسار معقد بين بلدين جمعتهما روابط سياسية وثقافية عميقة. غير أن التمعن في محتواه، وفي سياق بثه، يكشف أنه يتجاوز مجرد التوثيق إلى بناء سردية موجهة، تعيد إنتاج تمثلات قديمة عن المغرب، وتوظف ملفات مستهلكة في لحظة سياسية دقيقة.

فالوثائقي، من حيث المعطيات، لا يقدم جديدا نوعيا. إذ يعيد استدعاء ملفات سبق تداولها بكثافة: من الإرث الاستعماري إلى قضية المهدي بنبركة، مرورا بسنوات الرصاص، وقضية “بيغاسوس”، وصولا إلى أوضاع الحقوق والحريات في المغرب والنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. لكن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في”ماذا قال؟”، بل في “لماذا قيل الآن؟” و”كيف قيل؟”. فحين يغيب الجديد، ويبرز التوقيت، وتطرح تساؤلات حول نبرة الخطاب، يصبح من المشروع البحث في الدلالات السياسية الكامنة وراء هذا النوع من الإنتاجات.

في هذا السياق، لا يمكن فصل بث الوثائقي عن التحولات الجارية في العلاقات المغربية الفرنسية. فبعد تجاوز مرحلة توتر، تتجه الرباط وباريس نحو ترسيخ وتعزيز شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الأمن والاقتصاد والاستثمار، بعد الإعلان عن الموقف الفرنسي الرسمي الداعم لسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية. هذا وتتزامن هذه التطورات الإيجابية في العلاقة بين الرباط وباريس مع صعود الدور المغربي إقليميا وقاريا، وتنامي حضوره كشريك موثوق في ملفات حساسة، خاصة في إفريقيا.

وهنا، يبدو استدعاء ملفات خلافية قديمة أقرب إلى محاولة تشويش رمزي على هذه الدينامية، أو تعبير عن امتعاض بعض الأوساط من تحولات لم تعد تنسجم مع منطق النفوذ التقليدي.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في التوقيت، بل في طبيعة الرؤية التي تؤطر الوثائقي. فالملاحظ أن العمل لم يتحرر من ما يمكن تسميته بـ”النظرة الاستعمارية الناعمة”. هذه النظرة لا تتجلى اليوم في خطاب مباشر يدافع عن الهيمنة أو يحن إلى الماضي الاستعماري بشكل فج، بل في شيء أكثر دقة: في احتكار سلطة التوصيف والتأويل.

ففي عمق الوثائقي، يطرح سؤال ضمني: كيف أصبح المغرب قادرا على إرباك فرنسا وفرض شروطه في بعض الملفات؟ هذا السؤال، في ظاهره استفسار سياسي مشروع، لكنه في عمقه يكشف عن بقايا تمثل قديم يرى في استقلال القرار المغربي أمرا استثنائيا ومقلقا، لا تطورا طبيعيا لدولة ذات سيادة. ولهذا، بدل أن يقرأ دفاع المغرب عن مصالحه باعتباره سلوكا سياديا عاديا، يعاد ترميزه داخل السردية كعلامة على “الضغط” أو “الابتزاز”.

وهنا تتجلى هذه النظرة الاستعمارية في صورتها الحديثة: ليس في الهيمنة المباشرة، بل في من يملك حق تحديد معنى سلوك الآخر. من يقرر إن كان هذا السلوك طبيعيا أم “مريبا”؟ ومن يحدد معايير الحكم عليه؟

هذه الرؤية لا تشتغل فقط على مستوى الأفكار، بل تتجسد عمليا في هندسة سردية دقيقة. فالوثائقي المذكور يعتمد على تضخيم لحظات الاتهام، وتكثيف الشهادات السلبية، وتهميش السياقات التي من شأنها توضيح الصورة أو تقديم زوايا نظر مختلفة. وبهذا، يتحول المتلقي تدريجيا إلى متلق لانطباع جاهز: مغرب ينتصر لأنه يضغط، لا لأنه يدافع عن مصالحه كدولة ذات سيادة.

وتظهر هذه الانتقائية بوضوح في معالجة عدد من الملفات. ففي قضية “بيغاسوس””، يتم تقديم الاتهامات كما لو كانت حقائق مستقرة، رغم ما رافقها من جدل واسع ونفي رسمي ومسارات قانونية. وفي ملف عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، تُمنح مساحة كبيرة للحظة الاتهام، مقابل تهميش المآلات القضائية والسياقات المرتبطة بها. هنا لا يتعلق الأمر بنقص في المعطيات، بل بطريقة انتقائية في ترتيبها، تمنح الاتهام قوة درامية وتضعف ما يناقضه.

الأمر نفسه ينطبق على قضايا الحقوق والحريات، حيث يعتمد الوثائقي خطابا معياريا يميل إلى الحسم الجاهز، دون استحضار تعقيدات الواقع المغربي، وتطور إطاره المؤسساتي. لا يتعلق الأمر برفض النقاش الحقوقي، بل برفض اختزاله في قراءة أحادية تغفل التعدد والتطور.

ويزداد هذا الانحياز وضوحا حين ننتقل إلى المستوى الرمزي، كما في عرض خريطة المغرب مبتورة من صحرائه خلال النقاش التلفزيوني. فهذا التفصيل البصري، رغم بساطته الظاهرية، يحمل دلالة قوية: فالمعالجة لم تكن منحازة فقط في المضامين، بل أيضا في التمثيل الرمزي، بما يعكس انزلاقا سياسيا لا يمكن اعتباره عرضيا.

كل هذه العناصر تعكس مفارقة لافتة داخل الفضاء الفرنسي نفسه. فمن جهة، هناك مؤسسات رسمية تدفع نحو تعزيز الشراكة مع المغرب، وتدرك أهميته كشريك استراتيجي مستقر. ومن جهة أخرى، تستمر بعض الأوساط الإعلامية والثقافية في استدعاء مخيال قديم، قائم على التوجس من الصعود المغربي، أو الحنين إلى زمن الهيمنة. هذا التناقض يفسر كيف يمكن أن تتقدم الشراكة على مستوى المصالح، بينما تستمر سرديات الشك والاتهام في بعض المنابر.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الوثائقي باعتباره عملا معزولا أو بريئا. إنه جزء من معركة أوسع، لم تعد تدور فقط حول المصالح، بل حول السرديات والتمثلات. فحين يتقدم التقارب السياسي، قد تتكفل بعض المنابر بإعادة إنتاج الشكوك القديمة، وحين ينجح المغرب في فرض موقع أكثر توازنا، قد يعاد تقديم هذا النجاح باعتباره “نفوذا مقلقا”.

أمام هذا الواقع، لا يكفي الاكتفاء بردود الفعل الظرفية أو الانفعالية. المطلوب هو الانتقال إلى مقاربة أكثر هدوءا وعمقا، تقوم على تفكيك هذه السرديات بمنهجية مهنية، وتعزيز القدرة المغربية على إنتاج رواية ذاتية قوية، متعددة اللغات، وقادرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بفعالية.

كما يظل من الضروري التمييز في الخطاب بين الدولة الفرنسية كشريك استراتيجي، وبين بعض الأوساط الإعلامية والسياسية التي لا تزال أسيرة تمثلات قديمة. وفي الآن نفسه، ينبغي استثمار رصيد الشراكة الأمنية والاقتصادية والثقافية في بناء خطاب واقعي يبرز المصالح المشتركة، ويكشف التناقض بين هذه المصالح والسرديات العدائية.

غير أن الرهان الأهم يظل في بناء قوة سردية مغربية ذاتية، لا تكتفي برد الفعل، بل تبادر إلى الفعل. وهنا تبرز أهمية الاستثمار في إنتاج وثائقيات مغربية قوية، مهنية، وموجهة دوليا، قادرة على تقديم الرواية المغربية بلغات متعددة، وبمعايير إنتاج عالية، وبزاوية نظر نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.
فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة مواقف، بل معركة روايات. ومن لا يروي قصته بنفسه، سيجدها تُروى عنه بشكل قد لا يشبهه.

*صحافي وباحث في حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *