حكاية السن اللعينة
استسلم (سعيد) ـ بعد حصوله على الإجازة الجامعية ـ لسنوات من البطالة الإجبارية، تحداها صاحبنا بممارسة بعض المهن، فهو تارة بائع، وأخرى حرفي. وخلال هذه المدة أهمل الاهتمام بمظهره العام، وكيف له أن يبحث عن الأناقة وهو مأزوم نفسيا واجتماعيا؟! وظهر التآكل في قمته حين ظهر التسوس على السن العليا الأمامية للشاب، وكأنما كان ذلك مظهرا من مظاهر احتجاج الجسد على الوضع الصعب القائم، بإعلان التضامن مع نفسية صاحبها المضطربة.
بدأ التسوس صغيرا أسود اللون متركزا في أسفل السن، ومع مرور الوقت تحول التسوس إلى ثقب واضح للعيان، لم يكن (سعيد) يمتلك ثمن دواء بسيط لضربة شمس، فبالأحرى أن يداوم الذهاب عند طبيب أسنان من أجل سن لا تقدم ولا تؤخر بالنسبة لشخص عاطل عن العمل مثله. أليست عظام الإنسان أقوى وأصلب ما فيه؟ ها هي سن تنبت في العظم قد بدأت تظهر الاستسلام وترفع الراية البيضاء، عفوا: “السوداء”، معلنة الخضوع والركوع بطريقتها الخاصة.
كبُر ثقب السن مع غياب الاهتمام أو التنظيف بالفرشاة، وهذا خلافا لما كان (سعيد) يفعله أيام دراسته، ولعله الآن يعاقب ذاته على فشلها في تدبر وظيفة أو عمل لائق مثل كثير من المحظوظين.
تمر الأيام ويشتغل (سعيد) في إدارة من مؤسسات الجماعات المحلية، وكان أول شيء فعله هو معالجة الثقب في السن. لكن الطبيب أخبره بأنه تأخر في العلاج، فالتسوس التهم أجزاء كبرى منها، وقد أحدث الطبيب تجويفا كبيرا وملأه بمعجون خاص، وطلب منه الحرص على عدم الضغط على ما هو صلب بالسن المعطوبة. أصبح الشكل الخارجي للسن عاديا، واستعاد الشاب ابتسامته المعهودة، واستعاد معها ثقته في نفسه.
تمر سنوات كاد صاحبنا خلالها ينسى أمر السن وقصتها، إلى أن كان يوم مشهود كان فيه سعيد يلتهم تفاحة لعينة، فتكسرت سنه العلوية المشؤومة، وبقي منها جزء صغير جدا في فمه، تناول (سعيد) الطرف المكسور، وكأنما هو طرف سقط من قلبه أو كبده.. وتوجه نحو المرآة ليشاهد منظرا قبيحا، لقد بدا في الصورة الجديدة رجلا كهلا، فالتجويف الكبير في فمه جعله يتقدم في العمر عشرين سنة للأمام. عرف صاحبنا وقتها أن التشابه اللغوي بين السنة التي هي فترة من العمر أو الزمن، والسن التي هي واحدة من الأسنان ليست مجرد تشابه اعتباطي.
توجه (سعيد) من فوره إلى أحسن طبيب في البلدة، وأمام عجلة الشاب قام الطبيب بتشكيل سن شبيهة بتلك المهشمة، وطلب منه الحرص أكثر على سلامتها. وعاد صاحبنا يتحسس السن الجديدة كأنما هي قطعة من زجاج يخاف عليها من التهشم السريع، وأصبح أكثر حرصا أثناء الأكل والشرب، ومع مرور الأسابيع والشهور أصبحت حواشي السن الجديدة تتآكل تدريجيا.
انطلق (سعيد) هذه المرة نحو طبيب جراح، فقد قالوا له إنه أحسن ممن يسمونهم بصانعي الأسنان الذين ينعدم التعقيم في وسائل عملهم، كما قالوا إن الإتقان يغيب لديهم مقارنة بأطباء تخرجوا من أرقى الجامعات. طلب الشاب من الطبيب الجراح أن يجد له حلا حقيقيا للسن التي بدأت تتآكل، وأن يعوضه بأخرى صلبة مهما كانت التكاليف، اقترح عليه الطبيب تثبيت سنّ تَنْشَدّ في سن عن شمالها وأخرى عن يمينها، استغرق الأمر بضعة أيام، وأصبح (سعيد) بعدها يمتلك سنا لها امتداد في جنباتها، وإن سببت له حساسية خاصة لملامستها الطبقة العليا لفمه، فقد تعود عليها واصبح يلتهم ما يشاء بعد ذلك.
تمر الأيام والشهور ويكاد صاحبنا ينسى معاناته مع سنه، حتى بدأ يشعر بها تتحرك، ثم تتمايل، وأصبح صاحبنا يدفعها بلسانه إلى وضعها الأصلي، لقد أصبح يستشعر ارتعاشها الكبير مع مرور الأيام، وبدأ يتهكم على نفسه زاعما أن أسنانه تصطك دونما شعور بالبرد.. لكنه الواقع الذي لا مفر منه، وعليه تقبله كما هو، إلى أن سقطت السن المثبتة بين الأسنان، واختارت التوقيت الأسوأ بالنسبة له، كان صاحبنا وقتها يتناول وجبة غداء أقامتها الإدارة خلال الفترة الانتخابية، فيقوم صاحبنا كأنما لقضاء حاجة، ثم بعيدا عن الأنظار ثبت السن اللعينة بإحكام قبل أن يعود لمكانه على المائدة المستديرة بين زملائه ورؤسائه في العمل.
في ذاك المساء توجه صاحبنا نحو الطبيب الذي كاد يهم بإعادة تثبيت السن في مكانها، لكن الشاب ما عاد يحتمل أن تعود سنه للارتعاش بعد أسابيع من كل تثبيت، ستسقط دون شك وخلال فترة أقل هذه المرة، ثم إن كثيرا من بقايا الأكل يختبئ تحتها ويصعب تنظيفه بالفرشاة. لابد من حل جذري، وهنا اقترح عليه الطبيب تثبيت سن متينة في جذر السن، ولكن هذا سيكلفه مبلغا أكبر. وافق الشاب على الفكرة بحماس كبير، بشرط أن يتخلص من الارتعاش للأبد. وبدأت جلسات جديدة شبه يومية لإحداث الثقب في جذر السن، وأخذ قياسات مختلفة للفك السفلي والعلوي.. وبعد أسابيع من الجلسات وجد صاحبنا نفسه يمتلك سنا مثبتة بإحكام في واجهة فمه. الآن سيذهب للاجتماعات ويتناول ما يشاء، لن يضطر لإلصاق سنه بالعلك، أو يدفعها بلسانه لمكانها الطبيعي، أو يلزم الصمت مخافة أن يرى الآخرون الفراغ في الفم، أو الارتعاش العلوي.. إنها لعنة البطالة وأثرها المدمر حتى بعد العمل.
كان الشاب في كثير من لياليه يحلم بسقوط السن، فيذهب لكتب تفسير الأحلام، فتقول له إنه سيفقد عزيزا أو قريبا، ولكنه متأكد من أن هذا القريب هو سنه المشغول بها.
بعد مرور سنتين فقط، تسقط السن المثبتة التي دفع من أجلها ثمنا مكلفا، وتوجه صاحبنا من فوره للطبيب الجراح متهما إياه بالتقصير في تثبيت السن التي لم ينعم بها طويلا. فأخبره الطبيب بعد فحوصات دقيقة بأن جذر سنه تآكل كثيرا، وأن حجم السن أكبر من أن يتم تثبيته لمدة أطول، خاصة أن موقع السن مائل يخضع لضغط الفك الأسفل. وهنا تساءل صاحبنا:
ـ والحل يا دكتور؟!
ـ الحل أن نقوم بتغليف جانب من الواجهة الأمامية، وهذا سيكلفك مبلغا أكبر من السابق.
ووجد الشاب نفسه مضطرا لمهلة تفكير، ذلك أنه مطلوب منه أن يقامر بأسنان أخرى من أجل سن واحدة لعينة. وانصرف صاحبنا من عيادة الطبيب، وقرر التعايش مع وضعه الجديد، فغياب سن واحدة لن يؤخر أو يقدم بالنسبة له. لقد ملّ التنقل بين الأطباء، مل الانتظار القاتل في العيادات، مل عدم احترام البعض لدوره في تحدّ للأخلاق العامة، مل تضييع الوقت والمال بحثا عن أناقة أو شكل تكميلي، لقد أمضى ـ ودون أن يشعر ـ أكثر من عقدين من الزمن يلاحق بديلا لسن لن تكون أبدا في مستوى تلك التي خلقها الخالق المصور المبدع، ثم إنه ليس صحفيا مقدما للبرامج على شاشة التلفاز، أو شخصا في واجهة الأحداث.. إنه مجرد موظف بسيط في إدارة معزولة، عليه أن يهتم بما تآكل من نفسيته، أما الجسد فما عاد يغريه أمره. لقد بدأ أبناؤه يكبرون أمام ناظريه، وها هو أصغرهم يستبدل أولى أسنانه ويقول له:
ـ أصبحتُ بابا بدون سنّ مثلك!
ويتذكر الوالد أنه في زمن مضى، كانوا كلما استبدل صغير سنا يطالبونه بأن يردد: (يا شمس خذي سن الحمار، واعطني سن الغزال!)، ثم يقوم الصغير وقتها برمي السن في الخلاء. قهقه الأب في أعماقه، فهو يعرف أنه حتى لو قال مثل هذه العبارة اليوم ورمى السن الاصطناعية ـ التي ما عادت تقبل الاستقرار مكانها ـ فلن يستيقظ يوما ليجد بدلها سن غزال، أو حتى سن قرد أو خنزير.
اترك تعليقاً