وجهة نظر

توقيت الحصيلة الحكومية… سياسة استباق أم اعتراف مبكر بنفاد الزمن؟

توقيت الحصيلة الحكومية… سياسة استباق أم اعتراف مبكر بنفاد الزمن؟

في بلاغ مشترك صادر عن رئاسة مجلس النواب ومجلس المستشارين، تم الإعلان، طبقا لمقتضيات الفصل 101 من الدستور، عن عقد جلسة عمومية مشتركة يوم الأربعاء 15 أبريل 2026 على الساعة العاشرة والنصف صباحا، ، تخصص لتقديم رئيس الحكومة حصيلة عمل حكومته. بلاغ يبدو، في ظاهره، إجراءً مؤسساتيا عاديا، لكنه في عمقه يكشف عن دقة اللحظة السياسية وحساباتها.

حين اختار عزيز أخنوش تقديم الحصيلة الحكومية قبل نهاية الولاية بأشهر، لم يكن الأمر مجرد قرار تقني أو احترام لالتزام مؤسساتي، بل كان فعلا سياسيا مكثفا بالدلالات. فالتوقيت في السياسة ليس تفصيلا، بل هو في كثير من الأحيان الرسالة ذاتها.

ظاهريا، يُسوَّق هذا الاختيار باعتباره دليلا على الشفافية والانفتاح على النقاش العمومي، غير أن القراءة الدقيقة تكشف أنه أقرب إلى عملية تموضع استراتيجي في لحظة حساسة من عمر الولاية. فالحكومة، التي دخلت سنتها الأخيرة، تدرك أن الزمن السياسي لم يعد في صالحها، وأن أي تأجيل إضافي قد يجعل الحصيلة رهينة مزيد من التآكل، سواء على مستوى المؤشرات أو على مستوى الثقة.

تقديم الحصيلة الآن يمنحها، أولا، امتيازا زمنيا ثمينا: خلق مسافة فاصلة بين لحظة التقييم ولحظة الانتخابات. هذه المسافة ليست بريئة، بل تُستثمر لإعادة ترتيب الخطاب، وامتصاص الصدمات، وإعادة تسويق المنجز في صيغة أكثر تماسكا. بعبارة أخرى، نحن أمام محاولة للتحكم في إيقاع النقاش، بدل تركه ينفجر في اللحظة الانتخابية حيث يكون أكثر كلفة سياسيا.

ثانيا، يسمح هذا التوقيت بإعادة توجيه النقاش العمومي. فبدل أن يبقى محصورا في تفاعلات يومية متفرقة حول الغلاء أو اختلالات الخدمات، تسعى الحكومة إلى تجميعه داخل إطار مؤسساتي مضبوط، تُحدد هي قواعده وسقفه. إنها عملية “تأطير” للنقاش، تُنقل فيها المعركة من الشارع إلى المؤسسة، ومن التجربة المعيشة إلى الأرقام والتقارير مع تضخيم المؤشرات الإيجابية..

غير أن هذا الاختيار يكشف، في المقابل، عن وعي ضمني بحدود الحصيلة نفسها. فلو كانت النتائج قوية بما يكفي، لكان من المنطقي انتظار اكتمال الولاية لتقديم صورة أكثر شمولية. أما تقديمها في هذه المرحلة، فيوحي بأن ما تبقى لن يغير كثيرا من التقييم العام، أو أن المخاطر المرتبطة بالانتظار أكبر من مكاسبه. هنا، يتحول التوقيت من علامة قوة إلى مؤشر حذر.

سياسيا، يضع هذا القرار المعارضة أمام امتحان صعب. فالمبادرة لم تأتِ منها، بل فُرضت عليها، ما يجعلها في موقع رد الفعل بدل الفعل. كما أن الامتداد الزمني للنقاش إذا تحقق قد يُفرغه من زخمه، ويحوّله إلى جدل بارد يتآكل تدريجيا، بدل أن يكون لحظة مساءلة حادة ومركزة.

لكن الإشكال الأعمق يتجاوز الحكومة والمعارضة معا، ليمس طبيعة الزمن السياسي في المغرب. فالفارق بين الزمن المؤسساتي والزمن الاجتماعي يزداد اتساعا: بينما تُقاس الحصيلة داخل المؤسسات بمنطق السنوات والبرامج، يُقاس أثرها في المجتمع بمنطق يومي، حيث تتشكل الأحكام بشكل أسرع وأكثر قسوة. وفي هذا السياق، قد لا ينجح أي توقيت مبكر أو متأخر في تغيير انطباع ترسخ بالفعل.

في النهاية، لا يمكن فصل توقيت تقديم الحصيلة عن سياق عام يتسم بتراجع الثقة واحتدام الضغط الاجتماعي. هو ليس تعبيرا خالصا عن شجاعة سياسية، ولا مجرد مناورة انتخابية بسيطة، بل هو مزيج معقد من الاستباق والحذر، ومن الرغبة في التحكم في السردية والخشية من انفلاتها. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الحقيقي معلقا: هل يملك هذا التوقيت القدرة على إعادة إقناع المغاربة، أم أنه مجرد محاولة لتأجيل حكم أصبح، في نظر كثيرين، شبه محسوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *