منتدى العمق

مسرح الدمى في دوار فريحة

مسرح الدمى في دوار فريحة

في مساء مغربي رائق، حين كانت زرقة السماء تنسحب ببطء فوق سهول الغرب، وحين كانت رائحة التراب المبلل تمتزج بدخان المواقد وصوت الباعة في السوق الأسبوعي، نصبت في ساحة صغيرة من دوار فريحة خشبة متواضعة لمسرح الدمى. كان الدوار ممدودا بين حقول القمح والذرة ودوالي العنب، وتحيط به السواقي كأساور من ماء، وتراقبه أشجار الكالبتوس من بعيد كما تراقب الأمهات أبناءهن إذا لعبوا قرب الحقول. وكان النسيم يهب من جهة السهل محملا برائحة النعناع البري والطين الرطب، كأنه يهيئ القلوب لليلة ليست للفرجة وحدها، بل لشيء أعمق، شيء يوقظ في النفس سؤالا مؤجلا.

جاء الناس أفواجا. جاء العربي موحا بعصاه الملساء، وجاءت لالة فطومة تحمل حفيدتها على كتفها، وجاء عبد القادر الحداد وقد علق على وجهه إبتسامة لا تعرف أهي للسخرية أم للتعب. حتى الشبان الذين يقضون النهار بين المقهى والوعود الفارغة حضروا، كأنهم شعروا أن الليلة تخبئ لهم مرآة لا مخرجا. وكان بينهم من جاء بدافع الفضول، ومن جاء بدافع الضجر، ومن جاء لأن قلبه، على الرغم من كل شيء، ما زال يؤمن بأن الحكايات قد تقول ما تعجز عنه الخطب.

وقف خلف الستار المعلم بوشعيب، رجل نحيل له عينان حادتان كأنهما حفرتا في وجهه من كثرة ما رأتا من تقلب الأحوال. وكان يساعده فتى من أهل الدوار إسمه ياسين، كثير الأسئلة، سريع الفهم، يؤمن أن الحكاية قد تفعل في الناس ما لا تفعله الكلمات الجافة. وما إن ارتفع الستار حتى سكتت الساحة سكونا خفيفا، كأن الجميع إنحنى في داخله لإصغاء غير معلن.

ظهرت أول دمية. كان إسمها السي مبروك، بطنه منتفخ، وشارباه معقوفان، وجلبابه أفخر من كلامه. كان يمشي بخيلاء، ويحرك يديه كمن يوزع الدنيا من جيبه. صاح بصوت جهوري: يا أهل دوار فريحة، جئتكم بالخير، بالمناصب، بالعمل، وبالوعود التي تفتح الأبواب المغلقة. وما إن قال ذلك حتى تعالت ضحكات خافتة من بين الجمهور، لأنهم عرفوا هذا النوع من الكلام، فهو عندهم أكثر شيوعا من الغبار في فصل القيظ، وأخف وزنا من ورقة يابسة في مهب الريح.

ثم خرجت دمية ثانية إسمها القايد حريز، طويل الرقبة، كثير الإنحناء، لا يرفع عينيه إلا إذا أراد أن يعرف من أين تهب الريح. كان يهمس في أذن السي مبروك ثم يلتفت إلى الناس قائلا: صدقوه، فالرجل لا يريد إلا مصلحتكم. وكان كلما نطق بكلمة مصلحة أحس الجمهور أن الكلمة فقدت معناها منذ زمان، وأنها صارت مثل إناء قديم لا يحمل إلا الصدى.

بعدهما ظهرت دمية ثالثة، صغيرة الحجم، بسيطة الثوب، لكنها مستقيمة النظرة. كان إسمها حرة. لم تكن أجمل الدمى زينة، لكنها كانت أكثرها حضورا. في عينيها بريق لا يشترى، وفي صوتها نبرة تشبه الماء إذا جرى فوق الحجر، لينة في ظاهرها، قادرة في باطنها على الحفر. كانت واقفة في طرف الخشبة كما تقف الحقيقة أحيانا في طرف المجالس، لا تتصدر المكان، لكنها تملك ثقله كله.

إقترب منها السي مبروك، وأخرج من كيس عنده أوراقا نقدية لامعة. لوح بها أمامها وقال: خذي، فالدنيا صعبة، والحاجة مرة، ونحن أهل الجود. كلمة واحدة فقط، ويدك في أيدينا، ولك ما تشتهين. ثم إقترب أكثر وخفض صوته كمن يمنح سرا ثمينا: إن إحتجت عملا لأخيك، أو منفعة لأبيك، أو وعدا يفرح به بيتك، فنحن هنا.

ساد صمت قصير. حتى الأطفال كفوا عن الحركة. رفعت حرة رأسها وقالت: أَيظن أني لعبة بيديه. أنا دمية فوق المسرح، نعم، لكنني لست للبيع. الخيط الذي يحركني أرحم من اليد التي تريد شراء صوتي ثم تتركني غدا في العراء. إرتجت الساحة بهذا الجواب، لا لأن العبارة كانت عالية، بل لأنها أصابت موضعا قديما في النفوس، موضعا يعرف معنى الحاجة، لكنه يكره أن تتحول الحاجة إلى قيد.

أنزلت لالة فطومة حفيدتها عن كتفها، وقالت بصوت سمعه من حولها: هذا هو الكلام الذي يشبه الخبز، بسيط لكنه يشبع. حاول السي مبروك أن يبتسم، لكن إبتسامته خرجت مكسورة. قال: يا إبنتي، نحن لا نشتري أحدا، نحن فقط نساعد المحتاجين. فأجابته حرة: المساعدة التي تطلب ثمنا ليست مساعدة، بل صنارة. والوعد الذي يجيء أيام المواسم ثم يختفي بعدها ليس وعدا، بل طيف كاذب.

عندها تقدمت لالة فطومة نفسها إلى قرب الخشبة، وأشارت بعصاها وقالت: نحن نعرف الفرق بين اليد التي تعين واليد التي تستغل. الفقير قد يضعف، نعم، لكنه ليس سلعة في السوق. وإن باع بعض الناس أصواتهم من شدة الحاجة، فالعيب الأكبر فيمن جعل الحاجة دكانا، وفيمن حول الكرامة إلى رقم في دفتره.

ثم أخرج المعلم بوشعيب دمية أخيرة على شكل مرآة. ومررها أمام الوجوه. كل دمية نظرت فيها رأت نفسها كما هي، لا كما تدعي. رأى السي مبروك خيوطا كثيرة فوق رأسه هو أيضا، تمتد إلى أيد لا تظهر. ورأى القايد حريز ظهره منحنيا حتى كاد يلامس الأرض. أما حرة، فرأى الناس في المرآة أن خيوطها أضعف من إرادتها.

أسدل الليل سدوله على دوار فريحة، غير أن المسرحية لم تنطفئ بإنطفاء المصابيح، بل ظلت معلقة في الهواء كرجع نداء بعيد. لم ينهض الناس من أماكنهم على عجل، كأنهم خافوا إن تحركوا أن يسقط من أيديهم ذلك المعنى الطري الذي هبط لتوه على أرواحهم. وكانت النجوم فوق سهول الغرب تلمع في علوها الهادئ، كأن السماء نفسها فتحت عيونها لتشهد ما إنكشف في تلك الساحة الصغيرة من خفايا النفوس.

جمع المعلم بوشعيب دماه واحدة واحدة، لا كما يجمع صاحب لهو أدواته، بل كما يضم ناسك مسبحته بعد دعاء طويل. ثم أقفل الصندوق، ونظر إلى ياسين نظرة من خبر الناس والطرق والخيبات، وقال: ما إن يعرف المرء قدر نفسه، حتى تضيق الحيلة في يد من أراده خيطا بين أصابعه.

وغادرا الساحة، لكن شيئا منهما بقي هناك، في التراب، في الصمت، في العيون التي لم تعد تنظر إلى الخيوط كما كانت من قبل. وهكذا لم يكن سقوط الستار خاتمة الحكاية، بل كان اللحظة التي بدأت فيها الحقيقة ترفع رأسها من بين الركام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *